Saturday 25 October 2014

من الانفجار العظيم إلى الانهيار العظيم

big_bang

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, الكردية, التركية

” يَوۡمَ نَطۡوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلۡكُتُبِ كَمَا بَدَأۡنَا أَوَّلَ خَلۡقٍ نُّعِيدُهُ وَعۡدًا عَلَيۡنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ”

21- سورة الأنبياء؛ الآية 104

لنلفت انتباهكم بالدرجة الأولى إلى نقطة في الآية، وهي أنها أن الله سيعيد
الكون إلى الوضع الذي خلقه عليه. حينئذ لا بد من التذكير بالآيات( التي درسناها في الأقسام الثلاثة الأولى) التي تتحدث عن بداية الكون حتى يتسنى فهم نهايته( ومما يحمل العديد من المعاني أن الآية التي تحكي بداية الكون[21- سورة الأنبياء؛ الآية 30] وتلك التي تتحدث عن نهايته[ 21- سورة الأنبياء؛ الآية 104] كلاهما تردان في نفس السورة.)

” أَوَلَمۡ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقًا فَفَتَقۡنَاهُمَا وَجَعَلۡنَا مِنَ الۡمَاء كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ”

21- سورة الأنبياء؛ الآية 30

” وَالسَّمَاء بَنَيۡنَاهَا بِأَيۡدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ”

51- سورة الذاريات؛ الآية 47

نفهم من هاتين الآيتين القرآنيتين أن الكون عبارة عن مرحلتين منذ بدايته وحتى الآن:

1- تناثر الكون وانفصاله عن كل واحد

2- تمدد الكون الذي تكون نتيجة هذا الانفصال

لقد درسنا في الأقسام الثلاثة الأولى تلك المعجزة الخارقة التي شكلتها التصريحات الواردة في آيات القرآن. وإذا رجعنا إلى الآية التي اقتبسناها في هذا القسم من كتابنا، فلابد أن يحدث ما يلي على الترتيب، إن الكون سيعود إلى أول حاله:

1- انكماش الكون المتمدد

2- انتهاء الكون المنكمش في الوحدة التي كانت أولا.

إن من يفهمون في علم فيزياء الفلك سوف يدركون من فورهم ما في الآية التي درسناها من عظمة. نحن نعلم أن الكون في تمدد دائم. ونعلم أيضا أن التمدد يحدث بفضل السرعة التي تسبب فيها الانفجار العظيم. عندئذ يواجهان شقان؛ انتشار الكون بساحة واسعة جدا جدا وفقا للشق الأول، أما الثاني فهو استنفاد جميع النجوم طاقتها، وانخفاض الحرارة وبذلك تأتي نهاية العالم( القيامة). وسوف ينتهي الكون( القيامة) باستنفاد النجوم طاقاتها، وتوقف الحركة تماما، وخروج جميع الأجرام السماوية من مجالات جاذبيتها. ووفقا للشق الثاني فإن الكون المتمدد، سوف يبدأ الانكماش، والتوقف نتيجة جذب المواد بعضها بعض، ثم يصير الكون المنكمش في النهاية كلا واحدا مثلما كان في البداية.

معجزة فوق معجزة

يصرح القرآن بأن الثاني من الشقين اللذين تحدثنا عنهما هو الذي سيحدث. كم أن تصريح القرآن بهذا في بيئة ساد فيها الظن بأن الأرض ترتكز على الثور والسمكة، معجزة خارقة! ومن المستحيل ربط هذه التصريحات التي أدلى بها القرآن بالاختلاق، أو الصدفة، أو بالبيانات العلمية التي لم تكن موجودة في ذلك العصر. فليست المشاهدة العلمية هي مصدر هذه المعلومات، بل إنه الوحي الإلهي. وتقوم الآية التي درسناها بالفصل في قضية أي شق صواب من الشقين اللذين حارت الإنسانية بينهما. إن عظمة المعجزة القرآنية التي تخبر بأن الكون خلق من كل واحد، وأنه يتمدد وسوف يُعاد إلى أول حاله بنفس الشكل، و تدرس هؤلاء وتقدم هذه المعلومات في بيئة بدائية تماما، في عصر لم توجد فيه أية بيانات علمية قط؛ تفهم فهما جيدا بفضل تقدم العلم، وتكشف أسرار الكون.

يعرف انغلاق الكون بهذا الشكل بنموذج” الكون المغلق” في علم الفلك. وسوف تنفذ قوة الجاذبية الأرضية هذا الانغلاق. ومن المعروف أن جميع المواد تجذب بعضها بعضا وتوقف قوة الجذب هذه توسع الكون أيضا. تماما فإن هذا الجسم الذي يتحرك مدة من الوقت عندما نقذف مادة ما إلى الهواء، ويخفق في تحمل قوة الجاذبية الأرضية ويعود في النهاية، فإن المادة التي تناثرت في كل اتجاه وتوسعت بسبب قذف أول انفجار لن تتحمل في النهاية وستعود بنفس الشكل وسوف ينغلق كل شيء متطابقا فوق بعضه بعض. علينا أن نتذكر أن مفهوم قوة الجاذبية الأرضية لم يكن معروفا في العصر الذي أشار فيه القرآن إلى هذه الظاهرة، وأن نيوتن قد عرف لأول مرة قوة الجاذبية الأرضية بعد حوالي ألف عام من نزول القرآن.

وبعد بيان تمدد الكون، قام رجال العلم بإجراء الأبحاث من أجل اكتشاف هل ستكون نهاية الكون أثناء تمدده دون توقف، أم بانغلاقه في النهاية ؟ وحاولوا العثور على الكثافة الحساسة للمادة الموجودة في الكون من أجل حل هذه القضية ورصدوا النسب المسماة أوميجا Omega. وهذا هو ما يعني في تلك البيانات أن قوة الجاذبية الأرضية سوف تبدأ عملية ضغط الكون، دون أن تسمح لتناثره إلى الأبد، وذلك لأنها سوف تزداد بسبب زيادة كثافة المادة، عندما ترتفع الكثافة الموجودة في الكون إلى مستوى معين.

وتلك النقاط الثلاثة التي تبين أن الكثافة الموجودة في الكون أعلى مما هو معتقد، ولا تنضم إلى الحساب في البداية:

1- لابد من إضافة الثغور/ المواقع أيضا بالنسبة لقيمة كثافة الكون. إن المواقع الصغيرة الحجم للغاية، والتي تحتوى المواد الكثيفة جدا، لم توضع في الحساب فيما تم إجراؤه من إحصاءات بواسطة النور المنتشر لأنها لا تنشر الضوء.

2- تم فيما بعد اكتشاف النجوم المفرطة الكثافة الكبيرة الحجم التي لا تتناسب مع شدة الضوء الذي تنشره. فقد تم، على سبيل المثال؛ حساب كوكب يتكون بالتقاء 1000 شمس مثل شمسنا، في كثافة أقل ألف مرة في البداية، لأنه ينشر الضوء بقدر شمسنا فحسب.

3- في المرحلة الأخيرة تم اكتشاف نوع من المادة ينبغي إضافته إلى قيمة الكثافة الموجودة في الكون يسمى المادة المظلمة، وهي تملأ جميع المجرات، ولا ترى بالعين.

الناس يولدون، ويعيشون، ويموتون وفي النهاية يعودون إلى الأرض مادتهم الخام. والوضع هو نفسه بالنسبة للحيوانات والنباتات أيضا. وهذا يعني أن الله يعمل في الكون أيضا نفس القانون الذي يعمله بالنسبة لجميع الأحياء. وتعبر الآية التي اقتبسناها عن هذا القانون الإلهي بكلمة” إعادة”.( وقد دخلت هذه الكلمة اللغة التركية بنفس الشكل أيضا) وثمة آيات أخرى من القرآن تلفت الانتباه إلى إعادة الوجود أيضا.

” وَهُوَ الَّذِي يَبۡدَأُ الۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِ وَلَهُ الۡمَثَلُ الۡأَعۡلَي فِي السَّمَاوَاتِ وَالۡأَرۡضِ وَهُوَ الۡعَزِيزُ الۡحَكِيمُ”

30 –سورة الروم؛ الآية 27

” قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَأُ الۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبۡدَأُ الۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّي تُؤۡفَكُونَ ”

10 – سورة يونس؛ الآية 34

السماء المنشقة والوردة الحمراء

” فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتۡ وَرۡدَةً كَالدِّهَانِ”

55- سورة الرحمن؛ الآية 37

يذكر القرآن أن ثمة تغيرات في لون السماء ستحدث عندما ينتهي عالمنا، نظامنا الشمسي، والكون.( يمكنكم الرجوع إلى 70 –سورة المعارج؛ الآية 8).

وهناك آيات أخرى في القرآن تتعلق بانشقاق السماوات، وضعفها عندما يحين انشقاقها.

” وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتۡ ”

77- سورة المرسلات؛ الآية 9

” وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتۡ ”

81- سورة التكوير؛ الآية 11

” وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوۡمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ”

69- سورة الحاقة؛ الآية 16

نحن على قناعة أنه يمكن فهم هذه الآيات على شكلين. الأول: ربما أن الآية تتحدث عن خلل يصدر عن الأقسام الخارجية للسماء المتمددة، وذلك إذا ما تناولنا كلمة السماء على أنها الكون( ربما المقصود هو التكوين الخوائي للكون. ولن ندخل هنا في هذا الموضوع الطويل). أما الثاني، فإننا إذا ما تناولنا كلمة السماء على أنها قسم الجو/ المناخ من عالمنا، فلا شك أن الزلازل الواسعة المجال إلى هذا الحد التي تتكون في الواقع، والنشاط الموجود في سطح الأرض سوف يؤثر في هذا الجو/ المناخ، ويضعف المناخ، وينشق على حد سواء، كما سترفع عن الأرض طبقة المناخ الواقية. ويثبتُ المناخ أصلا بفضل التوازن الحساس لقوة جاذبية الأرض وحركة جزيئات الهواء. ولا يستطيع المناخ أن يتحمل أيضا خلل التوازن الكبير المجال المذكور في الدنيا. وربما يحدث أحد هذين المعنيين اللذين رأينا أن الآيات تقصدهما بالدرجة الأولى. ونعتقد أن الآيات تشير إلى كلا الوضعين في آن واحد.

بدء القيامة فجأة

” يَسۡأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَاهَا قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتۡ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرۡضِ لاَ تَأۡتِيكُمۡ إِلاَّ بَغۡتَةً يَسۡأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَا قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَكِنَّ أَكۡثَرَ النَّاسِ لاَ يَعۡلَمُونَ ”

7- سورة الأعراف؛ الآية 187

يخبر القرآن أن نهاية عالمنا والكون ستأتي فجأة، بل وأن الرسول ذاته لا يدري شيئا عن هذا. وسرعة الضوء هي أسرع حركة في الكون وفقا لنظرية النسبية.( يمكن نقاش قضية كون سرعة الضوء أسرع حركة، ولكن حركة الضوء السريعة جدا لا تقبل النقاش) يكون الضوء حدود فهمنا للمعلومات الواردة إلينا من الأجسام التي تنشر الضوء وانعكاساته، والظواهر الموجودة في كوننا. ولهذا السبب فإنه إذا كانت المعلومة التي يمكننا الحصول عليها فيما يتعلق بنهاية الكون( القيامة) أو نهاية دنيانا تتقدم في صورة ضوء، فربما لا نعرف شيئا عن هذه الحادثة حتى ولو كانت تحققت في الوقت الحالي. ولو أن الشمس انفجرت الآن، على سبيل المثال، وانتهت دنيانا على هذا النحو فإننا لن نستطيع إدراك هذا إلا بعد ثماني دقائق ونصف فحسب.

والوضع على هذا النحو أيضا بالنسبة للحوادث الواسعة المجال التي ستمحو الكون بأسره. ربما تكون مرحلة قيام القيامة بدأت في إحدى أركان الكون، ونحن لا ندري شيئا عن هذا لأن المعلومة لم تصلنا بواسطة الضوء. وسوف تتكون فجأة مشاهد مختلفة من القيامة بقدر العديد من مشاهد القيامة أكثر من مجرد خراب نظام الكون الخالي من الهواء والموصوف بأنه سيقبض فجأة على البشر الذين يعيشون في الدنيا.

” إِذَا وَقَعَتِ الۡوَاقِعَةُ ♦ لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ ♦ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ♦ إِذَا رُجَّتِ الۡأَرۡضُ رَجًّا ♦”

56- سورة الواقعة؛ الآيات 1-4

إن نهاية الكون والدنيا، هي أرعب حادثة ستحدث بعد تكون الكون. وعندما تتحقق تلك الحادثة يكون البشر عندئذ قد أغلقوا سجلهم الدنيوي. وعندئذ تفنى الثروات التي في الدنيا، وكذلك الأمجاد، والمناصب، والعائلات، والعشائر، والحسناوات، والدميمات، والأفراح، والأحزان، وتحول الكون كله إلى وحدة متناهية الصغر. حينئذ لا تكون الأفضلية بالمال، والمنصب، والملك. حينئذ تكون الأفضلية والرفعة لمن عاش حياة كتلك التي أرادها الله، وتكون الذلة لمن عاش حياة خلاف ذلك. هناك عبر ودروس يمكن استخراجها من مشاهد القيامة التي قصها القرآن في سبيل توجيه الحياة. ولا ترد هذه الأقاصيص لمجرد أن تعرف علوم المستقبل فحسب. إن المعلومة التي تحكى في هذه الأقاصيص تهدف إلى تحريك الناس، وتوجيههم إلى الله، وعدم إعراضهم عن الدين جريا وراء المنافع الدنيوية التي ستفنى بقيام القيامة. ونحن نقتنع تماما بأنه سيكون من النافع كثيرا جدا أن نحفظ بأذهاننا باستمرار الآية الثالثة من سورة الواقعة التي تحكي مسيرة القيامة.

” خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ”

56- سورة الواقعة؛ الآية 3

Leave a Comment