Wednesday 26 July 2017

قصتنا التي تبدأ من نقطة واحدة

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, التركية

أَوَلَمۡ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقًا فَفَتَقۡنَاهُمَا وَجَعَلۡنَا مِنَ الۡمَاء كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ (21:30) سورة الأنبياء؛ الآية

نفهم من مدلول هذه الآية أن ما ذكر فيها من أمور يمثل حجة على المنكرين، وأنه لا بد من إيمان هؤلاء المنكرين بسبب ما ذكر في هذه الآية. والادعاء الأساسي للملحدين هو أن المادة موجودة منذ الأزل، وأنها خَلَقتْ بطريق الصدفة جميع المخلوقات سواء أكانت حية- أو جمادا. بيد أن نظرية الانفجار العظيم (Big-Bang)، تضحد هذا الادعاء الأساسي للملحدين مؤكدة أن للكون والزمان بداية. وإن التساؤل الوارد في الآية على نحو” أَوَلَمۡ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا” تساؤل في غاية الأهمية. وهكذا تشير الآية إلى أنه من الممكن إدراك أن السماء والأرض كانتا رتقا ثم انفصلتا عن بعضهما البعض. وكانت الأعوام التسعمائة بعد الألف التي تتضح فيها صحة الآية، هي تلك السنوات التي زادت فيها الاكتشافات العلمية، وحاول البعض فيها إظهار أن هناك تناقضا بين العلم والدين. وفي هذه السنوات أيضا حاول بعض البشر المدللين والمرفهين الذين أوجدهم المجتمع الصناعي، عبادة المادة وإحلالها محل الله. وفي مناخ كهذا، كانت عملية إثبات خلق المادة التي همّ بعض البشر بعبادتها، أي أنها كانت مجرد بداية؛ بواسطة نظرية الانفجار العظيم، تمثل صفعة أنزلت بالمنكرين. كما أن عبارة ” أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ” الواردة في ختام الآية معبرة جدا. ولقد أثبت التاريخ صحة الإشارة التي أوردتها هذه الآية، وبرغم كل الأدلة المطروحة، إلا أن المنكرون يصرون على إنكارهم. وبينما تبرز الآية الحقائق العلمية، يعلن المنكرون ميلهم للإنكار برغم كل شيء.

إن كل ما وارد في الآية، يؤكد بداية الكون، ويقوض زعم المنكرين من أن المادة وجدت منذ الأزل، ويرغمهم على الإيمان، وكما أن هذه الحقيقة التي ستقبل بعد 1300 عام من نزول القرآن قد وردت فيه، فإنها تجبر المنكرين على التسليم بأن القرآن كلام الله.

وليس هناك على الإطلاق من أثبت أن الكون يتمدد، وأن جميع الكون قد أنفتق بينما كان رتقا بخلاف القرآن. ولا حتى الفكر اليوناني القديم، ولا العصر الوسيط، ولا العصر الحديث، ولا أفلاطون، ولا Thales ، ولا كذلك الفكر البطليموسي، ولا الكهنة، ولا كل من kopernik، kepler، وقانط… وبما أنه ليس ثمة واحد قط من عباقرة تاريخ الإنسانية كلها تسنى له معرفة أننا نعيش في كون متمدد، فقد عجزوا كذلك عن التوصل إلى أن كل شيء في هذا الكون كان رتقا في البداية. لقد أخفق كل هؤلاء الفلاسفة والفيزيائيين المشاهير في التوصل إلى هذه النتائج، لأن التوصل إلى هذه النتائج العلمية بدون الأجهزة المتطورة، وبدون استخدام المخزون العلمي من البيانات، أمر مستحيل. وهكذا جذب خالق الكون الانتباه إلى هذه الحوادث الكونية حيث يخبر البشر، عن طريق كتابه، بهذه المعلومات البالغة الأهمية الموجودة في الكون، كما يثبت كذلك أن القرآن هو الكتاب المنزل من عنده. وهكذا فإن الله الذي كشف للإنسان- ذلك المخلوق الذي يمثل نقطة في الفضاء- عن حجاب أدلة خلق الفضاء كله من نقطة واحدة، قد منح الإنسان معرفة العالم، وأظهر معجزات كتابه في الوقت ذاته أيضا.

والأمر المثير للغاية هو إشارة الآية إلى أنه يمكن فهم كل ما سعت لتوضيحه من الأمور كالمعجزة البينة قائلة” أَوَلَمۡ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا”، وكذلك إشارتها إلى أن المنكرين سيظلون على إنكارهم برغم هذه البراهين قائلة” أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ”. ولقد قال آينشتاين Einstein أنه اندهش للقدرة على فهم هؤلاء، أكثر بكثير من اكتشافاته بشأن الكون. ولهذا أيضا، تتضح أهمية إشارة الآية إلى أنه سيتسنى للبشر فهم ما ورد فيها.

دليل الطاقة الإشعاعية للكون

يعبر في الآية عن أن الكون كان ملتصقا في بداية الأمر بالكلمة العربية” رتق”، والتي تفيد التداخل التام لدرجة الانصهار. أما كلمة العربية” فتق”، فهي تعنى الانفصال؛ الانفصال الانشطاري. ولقد ذكرنا أن ليميتير Lemaitre عندما كشف- حيث كان يشرح تمدد الكون- عن هذا الانفصال الذي وصفته الآية، عورضت نظريته هذه في البداية. وقد كان فريد هويل Fred Hoyle واحدا من معارضي هذه الفكرة. وقال فريد هول في الأربعينيات من القرن العشرين[1940]:” اعثروا لي على بقية من هذا الانفجار العظيم” زاعما أنه لا بد من وجود آثار لهذا الانفجار( الانفصال) في حال ما إذا كان الكون قد بدأ بسبب الانفجار العظيم Big-Bang. لقد قال فريد Hoyle هذا في الأساس لكي يهزأ بنظرية الانفجار العظيم. إلا أن تحديه الساخر هذا، قد مهد السبيل للعثور على العديد من الأدلة التي تدعم الانفجار العظيم. إن تعبير بقية fosil الذي استخدمه هويل Hoyle بهدف السخرية، قد استخدم بشكل مثير أيضا من أجل الأدلة التي تم العثور عليها بعد ذلك التاريخ. وبينما كان يسخر بهذه النظرية، ويريد القضاء عليها، نجده ساهم في إثباتها أكثر بشكل غير متعمد.

وفي عام 1948 توصل كل من جورج جاموف George Gamov وتلميذه رالف ادلر Ralph Adler، إلى ضرورة وجود البقية التي تحدث عنها هويل Hoyle، إذا ما كان الانفجار العظيم قد وقع حقيقة. وكان لا بد، وفقا لمنطقهم، من وجود هذا الإشعاع المنخفض المستوى في كل اتجاه مرئي نتيجة لتمدده في جميع الاتجاهات بعد الانفجار الكوني العظيم. وسوف تشكل جميع الإشعاعات الأخرى التي صدرت بعد الانفجار العظيم نقاط بداية معينة في داخل الكون، وتنتشر نحو الخارج من تلك النقطة فحسب. لكن الإشعاع الذي صدر عن الانفجار الذي بدأ الكون، ما كان من الممكن تتبعه إلى نقطة واحدة هكذا. وكان لا بد وأن ينتشر هذا الإشعاع في كل اتجاه بسبب التمدد العام النشط لكون هكذا. ولقد قامت مجموعة من العلماء في جامعة برينكتون Princeton في نيو جيرسي في الأعوام 1960 مستخدمة الآلات الدقيقة للغاية بدراسة هذا الإشعاع الذي خمنه جاموف، وإلدر من قبل. ولكن العثور على هذا الكشف المهم جدا سيكون من نصيب آخرين بشكل عجيب. يعمل كل من أرنو بينزيس Arno Penziasو روبرت ويلسون Robert Wilson باحثين في شركة بل للهواتف. وذات يوم من الأيام يواجهان الموجات الوافدة من كل مكان في الكون الثنائي، ولا يستطيعان تماما فهم سبب هذا. والغريب في الأمر أن بينزيس، وويلسون يتصلان بروبرت ديك Robert Dicke وأصدقائهم من فريق جامعة برينتون Princeton العاملين في المناطق القريبة جدا من أجل فهم الحادثة فهما جيدا. ويصاب ديك الذي أغلق الهاتف بخيبة أمل كبيرة، ويدرك أن الكشف الذي أمل أن يحقق له الفوز بجائز نوبل قد عثر عليه آخرون…

أجل، كان يقارنون بمصدر بارد، وكان دائما أعلى درجات من الصفر المطلق في 3 درجات من وحدة كلفن فوق الصفر المطلق ب 3 درجات. كان الإشعاع يحتوي على الخصائص المتوقعة كاملة، وكان ينبعث من كل مكان في الكون. لقد تم اكتشاف البقية التي ظن هويل Hoyle أنه لن يمكن العثور عليها. وهكذا فاز كل من بينزيس، وويلسون بجائزة نوبل.

مساندة القمر الصناعي لنظرية الانفجار العظيم

بعد أن فاز كل من بينزيس، وويلسون بجائزة نوبل نتيجة اكتشافاتهما التي تمت في عام 1965، أمكن في عام 1989 إرسال القمر الصناعي سي أو بي إي( COBE) إلى الفضاء بواسطة أحد الصواريخ، وذلك في ظل مساعدة التقنية الأكثر تقدما. ودعمت البيانات العلمية التي تم الحصول عليها من القمر الصناعي سي أو بي إي COBE اكتشاف كل من بينزيس، وويلسون. ورأى الكثيرون أن البيانات العلمية لهذا القمر الصناعي بيانات قطعية. وهكذا عثرت تلك العملية التي بدأت مع ليميتر Lemaitre في عام 1927 على أدلة جديدة في عام 1989. وبحلول العام 1989 كان قد مضى على نزول القرآن فترة زمنية تزيد على 1400 سنة، وإذ بالقمر الصناعي أيضا يصَدقُ ما أخبر به القرآن.

ولو أننا خرجنا إلي جزيرة معزولة، ووجدنا الرماد فيها، فلن يشك أحد قط بأن نارا قد اشتعلت فوق هذه الجزيرة من قبل. فهذا الرماد يمثل دليلا على النار التي اشتعلت من قبل في هذه الجزيرة. وبنفس الشكل فإن الإشعاع الباقي الذي عثر عليه القمر الصناعي سي أو بي إي (COBE)، وكل من بينزيس، وويلسون من قبله، يمثل دليلا من أدلة الانفجار العظيم. ويمثل اكتشاف هذا على أيدي من يريدون السخرية بنظرية الانفجار العظيم، أمارة أخرى على صحة هذا الدليل من أنه لا بد وأن يكون هذا الإشعاع المتبقي قد تناثر في جميع أنحاء الكون.

وكذلك فإن نسبة الهليوم الهيدروجيني التي توجد في الكون هي إحدى الأدلة التي تثبت نظرية الانفجار العظيم. ولقد استفاد علماء الفلك في الأعوام الثلاثين بعد التسعمائة والألف[ 1930] من كشّافات الطيف بصفة خاصة من أجل تحليل مركبات النجوم والمجرات، انطلاقا من نظرية” أن لكل جرم سماوي إشعاعا خاصا به يصدره وفقا لتكوينه”. وفي ظل كشاف الطيف والحساب، أحصوا أن الكون كان يحتوي على غاز الهيدروجين بمعدل 75%، والهليوم بمعدل 24% هليوم، وعناصر أخرى مثل الكربون أو الأزوت أيضا بنسبة 1% . بيد أن النجوم لم تكن تنتج هذا القدر من الهيدروجين والهليوم. وقد كشفت الحسابات التي أجريت من قبل مختلف العلماء أن نسبة 20%- 30% من الهليوم لا بد وأن تكون قد تكونت قبل النجوم.

لكن كرة النار التي وجدت في أولى لحظات الانفجار العظيم كانت تستطيع أن تنتج المركب الغازي الخفيف الموجود بهذا القدر. وتمثل تلك اللوحة المتوقع تكونها نتيجة للانفجار العظيم، وهذا القدر الموجود في الفضاء من الهيدروجين والهليوم، بعضا من الأدلة التي تدعم هذه النظرية.

وبالرغم من أن الأدلة التي تثبت حدوث الانفجار العظيم أدلة كافية، إلا أننا نرى أنها تزداد باطراد حتى مع حلول العام 2000. لقد تم تكوين مناخ الانفجار العظيم بنفقات باهظة جدا في مركز سي إي آر إن( CERN) أحد أشهر المراكز الفيزيائية العالمية في مدينة جنيف بسويسرا. وكانت نتائج هذه التجربة أيضا تدعم نظرية الانفجار العظيم. وتعتبر اكتشافات هذه التجربة وفقا لما يراه الفيزيائي الأستاذ الدكتور/ بيتر دورنان Peter Dornan أحد أعضاء هيئة التدريس بأكاديمية إمبريال Imperial الموجودة بلندن التي نفذت البحث، أهم اكتشافات القرن 21.

كما أن قوانين الديناميكية الحرارية تدعم ضرورة وجود بداية للكون. ويصرح القانون الثاني من قوانين الديناميكية الحرارية( قانون تحلل الطاقة) بأن الأنظمة التي تترك لحالها تميل للفوضى، وأن الطاقة تتجه نحو وضع يقل استخدامها فيه بشكل أكثر، وبالتالي فإنها لن تصلح لأي عمل على نحو تام. ولو أن الكون والمادة كانا موجودين منذ الأزل، لتوقفت الحركة تماما في الزمن الأبدي.( حقا هذا يعني أن هناك زمانا أبديا، وأننا قد تجاوزنا الخلود ووصلنا حتى هذه النقطة. لكن الخلود لا ينقضي، ولو أنه كان ينقضي لما صار خلودا. وخلاصة القول، فإن وجودنا الكامن في هذه النقطة كزمن؛ يثبت وجود البداية أيضا. وإذا ما ظن العقل أن الزمان غير مخلوق وفكر في هذا؛ فإنه لا محالة محكوم عليه بالوقوع في التناقض والغموض. إن الحل الوحيد للغموض يأتي من قبول خلق مفهوم الزمان) كما أن هذا التوافق لنظرية الانفجار العظيم- تلك التي تثبت بداية الكون- مع ضرورة وجود بداية للكون؛ دليل أخر فوق تلك الأدلة.

هل أرسلَ الرسول محمد قمرا صناعيا إلى الفضاء؟

لقد شاهدنا أنه تم استخدام البيانات العلمية المرسلة من الأقمار الصناعية الموجودة في الفضاء من أجل تأكيد نظرية الانفجار العظيم. حسن؛ فكيف علم الرسول محمد قبل 1400 سنة من إرسال القمر الصناعي إلى الفضاء أن السماء والأرض كانتا رتقا ثم فتقتا؟ وتساءلنا قائلين:” ترى هل أخفى الرسول محمد منظارا تحت رمال الصحراء” حتى يُظهرَ كيف استطاع معرفة أن الكون يتمدد كل لحظة. وفضلا عن هذا؛ فلا بد وأن يكون هذا المنظار متطورا مثل منظار هوبل Hubble.

حسنا، ترى هل سيدعي المنكرون” أن محمدا قد اكتشف أن الكون كان في البداية مركبا واحدا، وذلك عن طريق حسابه للإشعاع الكوني؟” أم أنهم سيدافعون عن فكرة” أن محمدا أرسل من أجل هذا قمره الصناعي الذي أخفاه عن الجميع، وأنه أجرى قبل 1400 عام الاستنتاجات اللازمة قبل القمر الصناعي سي أو بي إي( COBE) مستفيدا من البيانات العلمية المرسلة من هذا القمر الصناعي؟ لقد حصل على جائزة نوبل كل من بينزيس، وويلسون اللذين اكتشفا الإشعاع الكوني ومعهم أفراد فريق شركة الهاتف، قبل القمر الصناعي سي أو بي إي( COBE) ب25 سنة. حسن، ترى هل سيقوم منكرو رسالة محمد الذي أخبر قبل 1400 عام أن الكون يتشكل من مركب واحد، وأن الفضاء يتمدد كذلك، للحصول على جائزة نوبل للفيزياء؟

ليدع المدعون ما يدعونه من أن القرآن ليس من عند الله، وأن محمدا كتبه بنفسه، كما يفعلون، فلا بد وأن يقعوا موقع السخرية. فلقد حصر المعاندون أنفسهم على الإنكار مهما رأوا من الأدلة. وكان الموقف هو نفس الموقف مع كل من إبراهيم عليه السلام، وموسى عليه السلام أيضا، وكذلك عيسى عليه السلام، وكان كذلك أيضا تجاه محمد عليه السلام. ويعكس أسلوب المنكرين، عين الحالة النفسية لهم على مر التاريخ. ولقد قال معارضو موسى عليه السلام أيضا، كما سيشاهد في الآية الآتية أدناه، إنهم لن يؤمنوا مهما رأوا من الأدلة.

وَقَالُوا۟ مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ
(7:132) سورة الأعراف؛ الآية

نظرية الانفجار العظيم دليل آخر على وحدانية الله

لكل واحدة من الأديان المتعددة الآلهة بنية تختلف عن الأخرى في مختلف المجتمعات ومختلف العصور. وثمة فروق كثيرة ما بين النظام الديني للهنود المتعدد الآلهة وبين الاعتقاد المتعدد الآلهة الموجود في مصر القديمة. غير أن هناك خصائص مشتركة بين المعتقدات المتعددة الآلهة، تكمن في أنها تخصص مجالات مختلفة من السيادة لكل إله على حده؛ فالشمس آلهة، وكذلك القمر فهو آلهة مختلفة عنها، وكذا الإله الموجود في قمة الجبال إله مختلف تماما… بعض الآلهة مسئول عن المطر، وبعضها مسئول عن الريح، والبعض يسيطر على الجبال، والبعض الأخر يسود الأنهار… أما كل من الديانة اليهودية، والديانة المسيحية والدين الإسلامي؛ تلك الديانات التي تؤمن بالله الواحد في مواجهة الأديان المتعددة الآلهة التي تقسم الكون إلى أقسام مختلفة، فإنها ترى الكون كلا واحدا. والأساس في هذه الأديان أنه يستحيل وجود اختلاف أو انقسام في الكون الذي خلقه الله. وترى هذه الأديان أن الانقسام أمر ظاهري، غير أن الوحدة في الأصل تسيطر على الكون؛ فالكون الذي يخضع لتحكم الله الواحد كلُّ مترابط الأجزاء.

ولقد قال الفلاسفة المشاهير من العلماء المسلمين مثل الكندي، والفارابي، وبن سينا، وبن رشد، وكذلك العديد من العلماء المسيحيين، إنه لا بد من وجود الكمال في مخلوقات الله قائلين:” إن الواحد يصدر من الواحد”، كما أكدوا أن هذا الكمال دليل على وحدانية الله. بعد ذلك شرح أولئك المفكرون كيفية ترابط جميع الحوادث التي تظهر في الكون ببعضها البعض، وبذلوا وسعهم من أجل البرهنة على هذه الوحدانية. وثبتت مرة أخرى وحدة المخلوقات الموجودة في الكون، وخاصة عقب الحقائق التي وضحت بواسطة نظرية الانفجار العظيم. لأنه يبدو جليا أن الكون كان مركبا واحدا في بدايته. ونظرا لأن كل شيء سيتنشأ في الكون سيتكون من هذه الوحدة، فلا بد أن يكون مترابطا ببعضه البعض لأنه واحد في الأصل. إذن لا يمكن لأحد على الإطلاق إن يزعم أن الشمس، والقمر، والإنسان، والثعبان، وكذلك النبات؛ كل واحد من هؤلاء له خالق مختلف عن الآخر. إن أصل الكون وحدة واحدة، ومن كان خالق هذه الوحدة؛ كان هو أيضا خالق الشمس، والقمر، والإنسان، والحيوانات والنباتات التي ستصدر عن هذه الوحدة. ولا شك أنه تأكد بشكل منطقي قبل وجود نظرية الانفجار العظيم عدم منطقية فكرة أن للكون آلهة وأربابا مختلفة. غير أن نظرية الانفجار العظيم هذه قد أتت بأدلة وبراهين أكثر قطعية، وأكثر صوابا في هذا الموضوع.

قُلۡ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ◊ اللَّهُ الصَّمَدُ◊ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ◊ وَلَمۡ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ
(112:1) سورة الإخلاص؛ الآيات

Leave a Comment