Sunday 23 April 2017

الأرض تدور ولو لم ندرك ذلك

This post is also available in: الإنجليزية, الألبانية, البوسنية, التركية

” وَتَرَى الۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنۡعَ اللَّهِ الَّذِي أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفۡعَلُونَ”

27- سورة النمل؛ الآية 88

الجبال هي أكثر أشكال الأرض ثباتا وظهورا. حتى أن فكرة استحالة الوصول إلى الجبال جعلت بعض العقول البدائية في الأديان التي تؤمن بتعدد الآلهة، تعتقد بوجود آلهة في قممها. لقد انخدع البشر بمظهر الجبال الثابت الذي لا يتزعزع من مكانه مثلما انخدعوا بفكرة استحالة الوصول إليها. وتكشف الآية عن خطأ هذا الفهم وتخبر بأن الجبال تتحرك مثل السحاب. وإذا كانت الجبال التي تبدو أكثر ثبات تتحرك؛ فهذا يعني أن كرتنا الأرضية تتحرك برفقتها. وهكذا تدحض الآية فكرة ثبات الأرض التي تصدر نتيجة خطأ الفهم البشري وحيث تشبه حركة الجبال التي تبدو أكثر ثباتا بحركة السحب، تشير إلى معلومة خيالية بالنسبة للناس في ذلك العصر.

لم تفهم هذه الإشارة الخيالية بالنسبة لمن عاشوا في عصر الرسول، حيث قيل إن هذه الآية في القرون الأولى تشير إلى القيامة. ويستطيع أي شخص حتى ولو كان لا يعرف العربية على الإطلاق أن يدرك بسهولة خطأ هذا التعليل، وتناقضه مع القرآن. إن الأحداث التي ستقع يوم القيامة والتي ذكرت في القرآن ليست إحداثا صعبة الإدراك، على العكس تماما؛ هي أحداث تذهل من يرون كل شيء وقد تحطم وتقوض. وهذا واضح من جميع الآيات القرآنية التي تُعَرّفُ بيوم القيامة. بيد أن الآية التي درسناها تقول إن البشر يحسبون الجبال ثابتة، إلا أن هذا ظن خطا. ولا يمكن بأي شكل على الإطلاق أن نفهم من حركة الجبال المقصوصة في الآية أنها حركة الجبال يوم القيامة.

ماذا كان يحدث لو كانت الأرض تدور؟

يمكنكم أن تلتمسوا الأعذار لهذه الأخطاء التي حدثت في القرن الأول التالي لقرن رسولنا وخاصة بعد قراءة التصريحات التي أدلى بها الشيخ السعودي عبد العزيز بن باز في التسعينيات من القرن العشرين بشأن عدم تحرك الأرض وأن من يقول خلاف ذلك فهو كافر! يقول الشيخ السعودي:”… من يزعم هذا كافر ويقع في الضلال. ويستتاب من يدعي هذا. فإن تاب فبها ونعمت! وإن لم يتب قتل بسبب الكفر والردة، كما يضم ماله إلى خزينة المسلمين. ولو أن الأرض تدور كما زعموا، لما انتظمت البلاد، والجبال، والأشجار، والأنهار، والبحار. ولرأى الناس أن الدول الواقعة في الغرب قد زحزحت إلى الشرق، وتلك التي في الشرق قد زحزحت إلى الغرب أيضا. وتغير مكان القبلة، وعجز الناس عن تعيين القبلة. ونظرا لأنه لم يُرَ أي من هؤلاء، فإن زعم حركة الأرض باطل نتيجة العديد من الأسباب التي يطول تعدادها.” وكما رأينا فقد قويت الاقتناعات بثبات الدنيا وعدم تحركها بهذا القدر حتى أن الجهلة الذين يبدون في لباس رجال الدين تجرؤوا على الزعم( وذلك في القرن العشرين) بأن من يقول بهذه الحقيقة التي أشار إليها القرآن كافر، ويجب قتله، وذلك بالرغم من الإشارات الواردة في القرآن. إن القرآن زاخر بالمعجزات، كما رأينا على مدى كتابنا، غير أن العديد من المصادر المختلقة باسم الدين مليئة بالهراء أيضا. إن من يسترشدون في الدين بتلك المصادر المليئة بالهراء، ومن يقرؤون القرآن مجرد قراءة مثل أي كتاب، ومن لا يحاولون فهم معناه، أضروا بالدين أكبر الضرر. إن بحثنا هذا المتعلق بالمعجزات القرآنية، يخاطب جميع الوثنين، والملحدين، والمتدينين أيضا. وعلى من يخلطون المختلقات بالدين أن يستفيدوا من كتابنا هذا، ويفهموا مصداقية القرآن، ويدركوا أن المصادر المليئة بالبدع، والخرافات لا تفيد الدين بأي شيء قط.

الاعتراضات على جلليو

قدمنا سابقا نموذجا من العالم الإسلامي على الاعتراضات الموجهة باسم الدين(!) لنظرية حركة الأرض. بيد أن نموذج جلليو في العالم المسيحي أكثر شهرة. كان جلليو رجلا مؤمنا من رجال العلم يجري الأبحاث العلمية، ويؤمن بأن الله خالق الكون. أثبت العديد من القواعد الفيزيائية المهمة بدءا من قوانين بندول الساعة وحتى قوانين السقوط. لقد مكنه فهمه العلمي الذي يعتمد التجربة، والمشاهدة من تحقيق العديد من قصب السبق.

أما أشهر واقعة في التاريخ تتعلق بجلليو؛ فتتمثل في إعلانه حركة الأرض، وما حل به نتيجة هذا في نهاية الأمر. لقد قبلت الكنيسة المسيحية أفكار كل من أرسطو وبطليموس فيما يتعلق بالكون والأرض في العصر الوسيط على أنها وجهة النظر الرسمية الخاصة بها. وعلى حين كانت الأرض تقف بشكل ثابت في هذا النموذج الكوني، كانت الشمس تدور من حولها. لقد قبلت الكنيسة بهذه النظرية التي مركزها الأرض كوجهة نظر رسمية. ونتيجة لأن الكنيسة قدمت آراءها على أنها انعكاس لإرادة الرب، فقد حكم في تلك الفترة على معارضة هذه الآراء بأنها اعتراض على الرب. وكما رأينا؛ فإن رجال الدين الجهلة هم مصدر التصريحات التي تظهر الدين وكأنه يتناقض مع العلم، وكذلك المؤسسات الدينية التي تخضع لإدارتهم. إن الحال على هذا النحو في الدين الإسلام، كما كان هكذا في الديانة المسيحية أيضا. ولسوف تحل هذه المشكلة إذا ما تمت الحيلولة دون اختلاط ما يقوله البشر بما أرسله الله من الوحي، وإن لم يفعل ذلك فإن البشر سيخلطون آراءهم بالدين، ويبقى وزر دفاعهم باسم الدين.

لقد دافع جلليو في ذلك الاتجاه الذي دام مع كل من كوبرنك Kopernik وكيبلر Kepler عن حركة الأرض، ووقوع الشمس في المركز، وأن الأرض ليست هي المركز. لم تتصرف الكنيسة برفق تجاه جلليو بقدر ما تصرفت تجاه كل من: كوبرنك وكيبلر. فقد استدعى جلليو إلى محكمة التحقيق القضائي( التعذيب) التي شكلتها الكنيسة. وخيّر جلليو ما بين الموت أو الاعتراف بخطئه والتوقيع على وثيقة التوبة، فوقع على وثيقة التوبة، وبين أن ما دافع عنه من الأفكار كان خطئا. إلا أن جلليو لم ينجو بهذا بل تعرض للتعذيب المادي والمعنوي. وظل في السجن المدة التي أقرها هوى محكمة التعذيب، وحكم عليه أن يقرأ سفر التوبة مرة واحدة أسبوعيا طوال السنوات الثلاثة. وتعرض كتب التاريخ الأحداث التي دارت ما بين جلليو والكنيسة على أنها أهم نموذج للصراع الذي جرى ما بين العلم والدين. في حين أن السبب في هذا الصراع ليس هو الدين كما رأينا، إنما هو المتظاهرون بأنهم رجال الدين. لقد حذرنا القرآن في مواجهة ظلم المتظاهرين بأنهم رجال الدين، و الوقاحات التي ارتكبوها من أجل مصالحهم المادية.

” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا۟ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحۡبَارِ وَالرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَالَ النَّاسِ بِالۡبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ”

9- سورة التوبة؛ الآية 34

علينا أن نحمي أنفسنا من الجهلة الذين يبرزون على الساحة على أنهم رجال الدين، ومتدينون، وأولئك الأشخاص من أدعياء التدين(!) الذين أعمى الطمع في المال عيونهم. وإن قيامنا بهذا يمكن أن يتحقق بالتعلم من القرآن المصدر الديني الموثوق، والبحث عن سند قرآني لكل ما يقال باسم الدين. إن الاسترشاد بالقرآن هو الشرط الأساسي للتخلص من الخرافات، وتعلم الدين بشكله الصحيح أيضا.

حركة الجبال

إن الآية التي درسناها في هذا القسم ليست الآية الوحيدة في القرآن التي تشير إلى حركة الأرض. فالآية 33 من سورة الأنبياء رقم 21 التي درسناها في القسم العاشر تشير أيضا إلى حركة الأرض مثلها مثل حركة الشمس والقمر.

ويحتمل أن تحوى الآية التي درسناها في هذا القسم إشارة أخرى أيضا. إن قشرتنا الأرضية تتحرك وكأنها تسبح فوق طبقة مانتو الأكثر كثافة منها. ولهذا السبب فقد انفصلت جميع القارات عن بعضها البعض سبحا، في حين كانت جزيرة واحدة في البداية. وإن كانت هذه الظاهر التي صرح بها للمرة الأولى بمقالة العالم الألماني ألفريد ويجنر Alfred Wegener التي نشرت في عام 1915، قد تعرضت للانتقادات في أول الأمر؛ إلا أن البحوث التي اضطلع بها الفيزيائيون مع مرور الوقت أكدت صدق ويجنر. فالقطع الصلبة والمحيطات التي تشكل القشرة الأرضية( يطلق على هؤلاء لفظ لوحة) تتصادم مع بعضها البعض وكأنها براميل متناثرة على وجه إحدى البحيرات، وتدخل أسفل بعضها البعض، وتحتك ببعضها البعض. وسرعة حركة هؤلاء ما بين 3 سم إلى 15 سم سنويا. وهكذا فإن الجبال التي رأيناها ثابتة، لا تتزعزع تتحرك أيضا مع قطع القارات المرتبطة بها، كما تتحرك سويا مع الأرض في الفضاء. ومن يدري ربما نكتشف حركات أخرى للجبال التي حسبناها ثابتة، جامدة، لا تتزعزع.

حياة منتظمة في أرض تدور

بينما الأرض التي نعيش على سطحها تدور حول نفسها بسرعة؛ تدور الشمس حولها أيضا، وتتحرك الشمس في نفس الوقت بسرعة في الفضاء مع نظامها، وفي هذه الأثناء ثمة العديد من الحركات المؤثرة والمرتبطة ببعضها البعض تحدث بدءا من حركة الأرض مع القمر وحتى قوى جذب الكواكب الأخرى. وهكذا ننام نوما هانئا، ونتناول الطعام دون مشقة، ونتحدث في يسر، ونطالع الكتب في هدوء، ونمارس الرياضة بشكل مريح في إطار كل هذه الحوادث. إن أكثر أنواع السيارات قبولا، هي تلك التي لا تجعل مستخدمها يشعر بسرعتها، وحركتها بواسطة نظام التعليق. تُرىَ إلى أي حد يمكننا ألا نشعر قط أننا نسافر بينما نسير في طريق ممهد حتى ولو كان ذلك بواسطة أفضل السيارات تجهيزا؟ أليس من الممكن أن ينظر بعين الاستغراب إلى أولئك الذين يشرحون بالصدفة وسيلة بسيطة جدا مثل السيارة مقارنة بالأرض؟ بيد أن أرضنا تؤدي حركاتها السريعة جدا، والمعقدة للغاية بشكل مثالي دون قبطان أو سائق. وكذلك دون أن تشعرنا نحن المسافرين فيها بأدنى رجفة، أو اضطراب….

تعلمنا الآية التي درسناها في بداية هذا القسم أن جميع هذه الحوادث قد تكونت في ظل خلق الله كل شيء خلقا سليما ومثاليا.

Leave a Comment