Sunday 20 May 2012

معيار المطر

due measure in rain

This post is also available in: الإنجليزية, البوسنية, التركية

” وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرۡنَا بِهِ بَلۡدَةً مَّيۡتًا كَذَلِكَ تُخۡرَجُونَ ”

43- سورة الزخرف؛ الآية 11

المطر من أعظم هدايا الله للبشر. ويوضح الله في الآية السابقة عاليا أن للمطر حسابا، وأنه لا يحدث صدفة، فهو يمطر وفقا لمعايير معينة. فالماء في الأرض ينتقل من حال إلى أخرى في دورة كاملة بين أحواله سائلا، وغازا، وصلبا. ويوفر الماء في أثناء هذه الدورة الاحتياجات الأساسية لجميع الكائنات الحية، كما أنه يعمل عمل الموازن بين الطاقة بشكل خارق جدا.

ولو أنكم سألتم أحد رجال العلم المهتمين بالمطر قبل خمسمائة سنة” هل هناك معيار في المطر، هل يمكن التعبير عن المطر بواسطة العدد؟” لعجزتم عن الحصول على أية إجابة على الإطلاق. حيث يستحيل على البشر في ذلك العصر أن يقولوا أي شيء على الإطلاق بشأن مقدار المطر الذي ينزل على سطح الأرض لأنهم ما كانوا يعلمون شيئا عن الظواهر الجوية التي تحدث في كل مكان في الدنيا. في حين أن القرآن أخبر قبل 1400 سنة أن المطر مرتبط بقدر معين. ولقد تبينت كيفية نزول المطر على نحو جيد بواسطة البحوث التي أجريت في القرن الأخير، وكذلك خصائص دورة الماء في الأرض. ومن الحقائق المكتشفة أيضا؛ أن المطر يمطر بنفس القدر كل عام على الأرض. هذا القدر من المطر يبلغ ما بين 16- 17 مليون طن في الثانية الواحدة. وعلى هذا فإن المطر الذي ينزل على الأرض يزيد على 500 مليار طن في السنة الواحدة، كما أن هذا القدر من الماء يتبخر نحو السماء أيضا. وهذه القيم ثابتة كل عام. حيث إن لثبات هذه القيمة دورا كبيرا في تحقيق التوازن البيئي الموجود على سطح الأرض. وما كان لأي عالم من العلماء قبل بضع سنوات من عصرنا أن يعرف أن المطر مرتبط بمقدار معين وذلك لتغيير مقدار المطر الذي يسقط على المنطقة التي يعيش فيها هو كل سنة. وكان يظن على أكبر احتمال إنه لا يمكن أن يكون هناك أي ارتباط بين هطول المطر وأي عدد.

الحسابات في دورة الماء

هناك العديد من الحسابات المعقدة المتداخلة مع بعضها البعض في نزول المطر ودورة الماء. فقد شغف الباحثون، على سبيل المثال، لماذا لا ترتفع درجة الحرارة في القسم الأعلى من طبقة الأوزون الاستوائية فوق 28 درجة في أي وقت على الإطلاق بالرغم من الشمس التي تسخن الماء كل يوم! وفي نهاية الأمر تم اكتشاف هذا المعيار الحساس: لا تحدث عملية التبريد بواسطة بخار الماء فحسب؛ فظلال السحب أيضا تحول دون ارتفاع درجة حرارة طبقة الأوزون إلى درجة حرارة أكبر في المناطق الحارة بصفة خاصة… وتنخفض الحرارة فجأة في ظل جموع السحب. ولهذا السبب فإنها تؤدي مهمة الدرع الطبيعي الذي يمنع ارتفاع حرارة الأرض. وبخار الماء هو في الوقت ذاته غاز يؤثر تأثير الصوبة… ويُكَوّن هو وغاز أكسيد الكربون وغاز الميثان والغازات الأخرى طبقة عازلة في الجو لا ترى بالعين. هذه الطبقة تمنع فقد جميع أشعة الطاقة التي تسقط على الكرة الأرضية في الأحوال الطبيعية، في الفضاء البارد جدا. ويُكوّنُ بخار الماء نسبة 60% من” تأثير الصوبة الطبيعية”، وبهذه الطريقة يؤدي إلى تكوين المناخ الأساسي الحار بشكل نسبي للكرة الأرضية. لقد صُممت كل هذه الحسابات بمعايير حساسة إلى هذا الحد من أجل دوام الحياة حتى أننا نستطيع فهم ذلك إذا ما درسنا السحب العازلة التي تدور حول كوكب الزهرة جار الأرض. لقد أحاطت السحب الكثيفة الدائمة بكوكب الزهرة لدرجة أن نصف أشعة الشمس فحسب يستطيع الوصول إلى الكوكب. وهنا يتحقق تأثر الصوبة الممتازة بنسبة 97% من أكسيد الكربون وتبلغ درجة الحرارة 500 درجة. هذه الحرارة تفوق بكثير جدا متوسط الحرارة التي يمكن أن يعيش فيها البشر. إن دورة الماء في عالمنا تتحقق بواسطة مقاييس حساسة جدا مع كل ظواهره: سائلا، وسحابا، وبخارا؛ وهو ما يجعل كوكبنا مؤهلا للحياة في ظل هذا فحسب.

السحاب هو مركب فيزيائي يولد في صورة بخار للماء، إلا أنه سرعان ما يتحول إلى ذرات ماء صغيرة جدا. ولهذا السبب فإن السحب بخلاف خصائص الماء العامة لا تتجمد ولا تسقط ولو حتى في درجة حرارة 30. وتوجد في السماء سحب تشبه الجبال كما لُفت الانتباه إلى ذلك في القرآن، ولكن درجة البرودة الشديدة لا تتسبب حتى في تحولها إلى جبل من الجليد وسقوطها على البشر. ولو لم يكن النظام الحساس الموجود في تكوين السحاب والمطر موجودا؛ ولو لم يدبر خالق الماء المعايير الكامنة في الخصائص الكيميائية للماء كما ينبغي، لاستحال مطلقا وبلا شك عمل هذا النظام.

إننا نلاحظ كيفية وقوع جسم يزن بضعة كيلوجرامات حتى حينما نلقي به من الشرفة. ولو أننا أخذنا طستا مليئا بالماء وأفرغناه من الشرفة، فإننا نلاحظ كيفية اصطدم الماء بالأرض على نحو سريع ومتجمعا. في حين أن الله قد برمج بشكل مثالي للغاية هطول أطنان الماء على الأرض من تلك السحب التي تشبه الجبال حتى أن المطر الذي يمطر واحدة واحدة لا يصير بلاء، وإنما يصير رحمة. ينزل المطر نزولا لينا بسبب توازن قوة الحمل. وهذا إبداع معجز خلقه الله بقواعده الطبيعية. ويمكن تفصيل توازن السقوط والسرعة بهذا الشكل بواسطة المعادلات الفيزيائية أيضا. لقد تحققت كل من هذه الإمكانية في التفصيل، وهذه الحسابات الدقيقة، بسبب خلق الله المطر مرتبطا بالمعايير التي تحكمه.

المطر هو الحياة

يتحدث الله في بقية الآية التي درسناها عن إحياء المطر منطقة ميتا. وكما هو معلوم فإن الأرض اليابسة تنبت في ظل نزول المطر، وتستطيع النباتات الوجود في ظله أيضا. والمادة الأساسية للحياة هي مادة DNA . وما يحقق استمرارية الحياة، هو الجسر الهيدروجيني الذي يسمى هيدروجين الجليسانتglisant الموجود في مادة ال DNA، والذي يتغير باستمرار ويقيم روابط جديدة وينقل الحياة. هكذا يتغير هذا الهيدروجين بسبب الهيدروجين الناتج فحسب في أثناء انقسام الماء إلى أيونات. ولو أن كائنا حيا حرم الماء استطاع حماية مادة شفرته الوراثية في صورة قالب؛ فإنه حتى وإن فعل ذلك يكون هيكلا متجمدا. لا يستطيع التناسل، ولا يستطيع الحركة أيضا. وإذا ما وصل الماء ومنح الهيدروجين من الأيونات المنقسمة؛ تمكنت الشفرة الحية من الحركة. وتشاهد هذه الخصائص في الكائنات الحية مثل الجرثوم أيضا. وعندما تفسد أسطح أنسجة الكائنات الحية الأكثر تطورا، فإنها لا تستطيع استرداد حياتها مرة أخرى حتى وإن جاء الماء من جديد. فالمطر هو مصدر حياة النباتات والجراثيم بكل أشكالها.

وبعد كل هؤلاء، علينا أن نحول انتباهنا إلى عبارة” كَذَلِكَ تُخۡرَجُونَ ” الواردة في الجملة الثالثة من الآية. ومع كل دراساتنا هذه فإن الأمور التي استدعتها الآية في أذهاننا هي كما يأتي: ينزل الله المطر بحسابات دقيقة للغاية، وقدر محدد. تحيى في ظل هذا المطر النباتات والجراثيم التي توشك على الموت، وتتمكن من البقاء. إن بعث الله من جديد للإنسان الذي يموت أمر في غاية اليسر بالنسبة لله الذي يعلم حساب وقدر كل شيء علما كاملا. إن الله الذي خلق النظام الذي سيحيي النباتات والجراثيم بواسطة المطر الذي حدده بالمقاييس الخاصة بذلك؛ سوف يبعث الإنسان من جديد أيضا على نحو مرتبط بالمعايير والمعلومات التي أحاط بها. إن خروج النباتات من الأرض الميتة، الجافة نتيجة نزول المطر حقيقة تراها أعيننا. هذه المشاهدات التي نراها دليل على أن إحياء الميت بالنسبة لخالقنا، وإعادة خلقه ما خلق من قبل، وتكرار ما علم شكله من جديد أمر سهل للغاية بالنسبة له.

Leave a Comment