Tuesday 19 September 2017

قوة الجاذبية والحركة

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, التركية

” فَلَا أُقۡسِمُ بِالۡخُنَّسِ♦ الۡجَوَارِ الۡكُنَّسِ ♦”

81- سورة التكوير؛ الآيتان 15، 16

من أجل فهم معاني هذه الآيات فهما جيدا؛ فلابد أولا من دراسة المعاني العربية لتك الكلمات الواردة فيها. إن المقابل العربي لتلك الكلمة الواردة في الآية رقم 15، والتي ترجمناها إلى اللغة التركية بلفظ” sinenler” هو كلمة” خنس”. ويمكن أيضا إيراد تلك المعاني الآتية كمقابل لكلمة” خنس” ” akışın tersi/ عكس التيار، pusma/ اختفاء، تستر، büzülme/ تقلص، انكماش، تجعد، sinme/ اختفاء، تواري، gerilemek/ تقهقر، تراجع، تخلف، انحسار”. أما المصطلح الذي ترجمناه في الآية 16 على نحو” الداخلين جحورهم”، فهو في العربية لفظ” الكنس”. ومن المعاني التي يمكن إيرادها كمقابل للفظ” الكنس” أيضا:” belli güzergah / الاتجاه/ السبيل الواضح، yuvaya girme/ ولوج/ دخول الجحر، hareket halindeki cismin yuvası/ حجر أو بيت الجسم المتحرك”. أما لفظ” جارية” المشتق من المصدر” جريان” فهو يقابل كلمة” akış /التيار، الجاري”.

نحن نعيش كل لحظة مع العديد من قوانين العلم: قانون الجاذبية، قانون الحركة، القوانين الديناميكية الحرارية؛ كلها هؤلاء يخالط حياتنا دائما. إذ تضطلع قوانين الجاذبية بدورها عند تناول الطعام، وقضاء الحاجة. يوفر رواد الفضاء الذين يصعدون إلى الفضاء، حاجات أبدانهم- وهم حينئذ بعيدون عن الدنيا- تلك المخلوقة وفقا لقانون الجاذبية الأرضية الخاص بالدنيا في ظل إجراءات وأجهزة مخصوصة فحسب، حين يتناولون الطعام، ويقضون حاجاتهم.

إن الاكتشافات العلمية للعلماء، ليست كشفا لشيء غير موجود، بل أنها تأكيد لما هو موجود. فقوة الجاذبية موجودة في الكون أصلا، بيد أن تعريفها، وكشفها بمساعدة القواعد الحسابية للمرة الأولى، كان من نصيب إسحاق نيوتن Isaac Newton (1642-1727 ).

لقد أوضح نيوتن بقانون الجاذبية الموجود في هذا الكون؛ أن الله قد خلق كل شيء، وأودع نظاما في النجوم، والدنيا، والقمر، كما بين أن ثبات البشر على وجه الأرض لم يكن أمرا من قبيل الصدفة، بل كان في ظل قوة الجاذبية التي أودعها الله في المادة.

ويوضح إسحاق نيوتن بكلماته التالية أن الله خلق الكون وفقا لمقاييس حساسة قائلا:” إن هذا النظام البالغ الحساسية الذي يتكون من الشمس، والكواكب، والنجوم المذنبة لا يصدر إلا عن إرادة وسيادة موجود قوي مدرك فحسب… هو الذي يدير كل هؤلاء، ونتيجة لسيادته هذه؛ يُطلقُ عليه سيدنا صاحب القوة العليا.”

الحساب الكوني

يرد في القرآن أن الله خلق كل شيء بقدر. والقول بخلق كل شيء بقدر، يعني تحكم الحساب في الكون. لأن كل ما وضع له معيار أمكن التعبير عنه حسابيا بالقدرة على قياسه، وأنه شيء منظم. لقد عَدّل نيوتن دراسات كل من كبلر Kepler، وجاليليو Galileo، وحققها، وأثبت وجهة النظر المطروحة يصحبها الشك بشأن إمكانية معرفة الكون المادي بواسطة الحساب. وهكذا اكتشف أن الكون الفيزيائي يعمل بفعل النواميس التي تسير وفقا لمعايير حساسة.

لقد أدرك العلم أهمية قوة الجاذبية في القرن 17 فحسب. بينما أشار الله في كتابه القرآن الكريم في القرن 6 الميلادي إلى قانون الجاذبية الذي استخدمه في مخلوقاته في الكون. ولو درست الآيات التي تحدثنا عنها في بداية هذا القسم؛ لتبين أن هذه الآيات قد أشارت إلى قوة الجاذبية، والتوازن القائم بينها وبين الحركة. وسواء أكانت نواة الذرة، أو الشمس الموجودة وسط الكواكب؛ فإنها توجد في الوقت الحالي وقد خبتت، وانكمشت. أما إلكترونات النواة التي توجد في الذرة، والشمس الموجودة في النظام الشمسي؛ فإن الكواكب تحاول ضغطها، وتقليصها حيث تجذبها بداخلها. ونحن نطلق على هذه القوة، اسم الجاذبية، جاذبية الأرض. فالنوايا التي توارت في المركز، والإلكترونات المحيطة بالشموس، تشكل الكواكب حيث أن هناك قوة موجهة لتقليصها وضغطها كما حدث لها هي، تعمل على دمجها وتوحيدها معها. وهكذا يتبين دون القيام بأي لوي للحقائق على الإطلاق أن كلمة” خنس” الواردة في الآية 15 من سورة التكوير قد عبرت عن قوة الجاذبية.( ينبغي التذكير بأن كلمة ” الجاذبية الأرضية” لم تكون موجودة كمصطلح لأن البشر ما كانوا يعرفون عن وجود الجاذبية الأرضية شيئا عند نزول القرآن. فالقرآن يستخدم كلمة” خنس”[ الانسحاب نحو المركز مباشرة، الانكماش، التواري] التي تضطلع بوظيفة الجاذبية الأرضية لكي يُعَرّفَ بالجاذبية الأرضية)

وبالرغم من جاذبية نواة الذرة، فإن الإلكترونات لا تلتصق بالنواة. وبالرغم كذلك من جاذبية الشمس، فإن الكواكب لا تلتصق بها أيضا. إن حركة الإلكترونات والكواكب هي التي تحمي الإلكترونات من الالتصاق بالنواة، والكواكب من الالتصاق بالشمس.

وتعني كلمة” جارية” الواردة في الآية 16 من سورة التكوير” الجريان، الحركة”؛ وهي أمر بالغ الأهمية لأنها تتحدث عن ذلك العنصر الذي يحقق الحيلولة دون من الالتصاق. ويمكن لجميع الحوادث بدءا من المجرات وحتى الذرات أن تُوجد عن طريق تكوين قوة الطرد المركزي للحركة في مواجهة قوة الجاذبية. ولو أن الإلكترونات والكواكب التصقت بالنواة والشمس في مواجهة” الخنس” أي التقلص، والانجذاب، لما وجد في الكون كوكب واحد، ولا نظام شمسي واحد، ولا المدارات، ولا الحياة، ولا هذه الروعة أيضا. ولو أن الإلكترونات، والكواكب تفرقت في الكون صدفة، وتخلصت تماما من الجذب” الخنس” وفقا ل” الجارية” أي” الحركة، الجريان”، لما وجد المجرات أيضا، ولا الحيوانات، والنباتات، والألوان، ولا نحن كذلك. وفي ظل هذين الحادثين المختلفين تتحرك الإلكترونات داخل مدراتها وتجويفها، والكواكب في مداراتها وتجاويفها أيضا. وتعبر كلمة” الخنس” الواردة في الآية 16 بشكل معجز أيضا عن هذا التواجد في التجويف. ويعبر القرآن عن جذب الجاذبية الأرضية نحو منطقة المركز بكلمة” خنس”، وعن عنصر التخلص من هذه الجاذبية بكلمة” جريان”، وعن التواجد داخل المدار المتكون في ظل العنصرين الأولين بكلمة” كنس”. وهكذا يكون القرآن قد صرح بالحوادث المرتبطة بالجاذبية الأرضية، في فترة لم تكن المصطلحات المتعلقة بالجاذبية الأرضية موجودة فيها.

إعجاز دائم بدءا من الذرات وحتى النجوم

لقد أقسم الله على بعض الحوادث لكي يجذب الانتباه إلى بعض المخلوقات، والحوادث في بعض آيات القرآن كما رأينا من قبل. والعناصر المقسم بها الواردة في الآيات التي درسناها في هذا القسم، تؤكد مرة أخرى لتلك الأذهان التي برأت من العناد كلا من: مخلوقات الله الكاملة الموجودة في الكون، وإعجاز التعبير القرآني؛ كلاهما على حد سواء.

وهناك البروتونات الموجودة في العديد من نوايا ذرات جسدنا؛ تلك التي لن نتمكن من حصرها، تُعملُ قوة جاذبيتها، أم الإلكترونات فهي تفر بحركتها من هذه الجاذبية، غير أنها لا تتجاوز مداراتها أيضا. وهذه التكوينات الموجودة داخل الذرة، في نشاط مستمر بشكل يتوافق مع القوة الكهربية للذرة، والقوة النووية للنواة. ولو أن ذرات جسدنا الذي نسميه” الأنا” عندما نجلس على مقعد تختلط بذلك المقعد، وتختلط أيضا بالأرض عندما نجلس على الأرض، تُرى هل كان يبقى ثمة أثر من الكيان الذي يشكل مجموع الذرات والذي نسميه” الأنا”؟ أو لو أن إلكترونات المقعد الذي جلسنا فوقه تصادمت مع إلكترونات جسدنا، وحدثت فوضى، أو أن قوة الجاذبية الكامنة في نوايا الذرات الموجودة في الأرض قد أفسدت ذرات أجسادنا حين نتمدد على الأرض؛ تُرى هل كان لنا أن نوجد؟ من الطبيعي لا. ما كان يبقى ثمة أثر من كياننا، وما تسنى لنا أن نوجو. إن وجودنا يصبح ممكنا عن طريق تفاعلات الانجذاب، والحركات، وخلق القوى الأخرى كلُّ على حده، وقيام كل هذه القوى بنشاطات متوافقة تمام التوافق.

إن القوي الصادر عن العدم، والذرات الخارقة للعادة، والنجوم، والمخلوقات الخارقة للعادة، كل شيء يُذَكّرنُا بالله…

Leave a Comment