Tuesday 19 September 2017

المدارات الكاملة الموجودة في الكون

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, البوسنية, التركية

وَالسَّمَاء ذَاتِ الۡحُبُكِ

51- سورة الذاريات؛ الآية 7

إن المقابل العربي لما ترجمناه من الآية بـ” الطرق التي كونت بعناية” هو عبارة” ذات الحبك”. حيث تبرز أصول هذه الكلمة الإحكام، والتكوين البديع بحيث يشكل أثرا فنيا. لقد جذب بريق النجوم الساحر، ومنظر السماء الفريد انتباه البشر منذ أقدم المجتمعات الإنسانية وحتى وقتنا الحالي، أثر هذا المنظر الرائع تأثير عميقا في البشر. والعديد من الأشعار، والكتابات الموجودة في التاريخ دليل على الحس الجمالي الخارق للعادة الذي ولدته السماء في نفس الإنسان. وإن شروق الشمس وغروبها كل يوم، والنجوم التي تبدو في السماء برغم تغيير القمر شكله، توحي بشكل قوي بأن الكون ثابت. ولا تستطيع العين المجردة أن تدرك امتلاء الكون بالأفلاك. وحينما ننظر إلى السماء ليلا تبدو لنا النجوم التي تتحرك بسرعة آلاف الكيلومترات في الدقيقة الواحدة وكأنها ثابتة لا تتحرك مطلقا.

ولقد أمكن اكتشاف حركة جميع النجوم، والأجرام المعروفة في الكون في ظل وجود المجاهر ومظاهر التطور العلمي، وكذلك امتلاء الكون بالمدارات أيضا على النحو الذي ذكرته الآية.

ومن المعروف أن في الكون ما يفوق 100 مليار من المجرات. كما يوجد في كل مجرة أكثر من 100 مليون نجم مثل شمسنا؛ بعضها هذه النجوم أكبر من شمسنا، وبعضها أصغر منها. أما شمسنا فهو نجم متوسط الحجم. ولكل واحدة من هذه النجوم الكثير من الكواكب أيضا مثلها مثل عالمنا، كما أن لكل كواكب منها الكثير من الأقمار التي تشبه فمرنا. كل هؤلاء تكونوا بواسطة تفكك نقطة واحدة. ولكل واحد من هذه النجوم، والأفلاك، والأقمار التي انفصلت عن نقطة واحدة مداراته الخاصة به. وفي كل هذه الحوادث تظهر قدرة الله وقوته المطلقة. وكما يؤكد الله أن البراعة ليست في النقطة ذاتها بل في ذاته هو؛ حيث أنشأ كل شيء من نقطة بسيطة للغاية، يبرهن أن على أن قدرته مطلقة، وأنه لا يشق عليه شيء في عملية الخلق، ولا مستحيل بالنسبة له؛ فقد خلق من هذه النقطة بشكل خارق للعادة العديد من الأجرام السماوية كل بما له من مدارات. وكل جرم من هذه الأجرام السماوية يسبح في مداره الخاص به، كما أن وضع الكون يختلف في كل ثانية عنه في تلك التي تسبقها. هذا الاختلاف الذي ينتج بسبب تمدد الفضاء، يحدث بسبب حركة كل كوكب، وكل نجم، وكل قمر في مداره الخاص به في نفس الوقت. إن كل لحظات الكون تختلف عن بعضها البعض، وتختلف كل لحظة في جميع النجوم عن بعضها البعض، وكذلك لحظات كل كوكب، وكل قمر أيضا…

دليل الحركة

لقد استرعت حركة الموجودة في الكائنات اهتمام العديد من المفكرين على مر التاريخ. وقال أفلاطون إن لمصدر الحركة خالقا عالما بكل شيء، هذا الخالق العالم، الخيّر الذي يتحكم في الكون، قد كشف عن الكون بوجوده. وصار إثبات أرسطو وجود الله انطلاقا من مفهوم الحركة، يفوق تعليل أفلاطون. وقال أرسطو لا بد أن تعتمد الحركة كاملة على محرك ثابت في أخر نقطة، ودللّ على الخالق الأزلي من نقطة التحريك الأولى. ولقد صرح الفارابي أحد علماء العلماء المسلمين أن المحرك الأول هو مصدر الوجود كله، وأنه أحدث كل التغييرات دون أن يتغير هو. ولقد عاشت جماعة إخوان صفا( الأخوة الأطهار) الدينية الفلسفية في العالم الإسلامي في القرن 10، وتركت آثارا تشكل موسوعة. وأكدت في آثارها تلك على الحركة الموجودة في الكون، كما قالت إن هذه الحركة ترصد دائما منذ صدور العالم من العدم إلى الوجود، وحتى مرحلة انتظامه ودوامه، وهذا أيضا دليل على وجود الله بارئ هذه الحركة ومسيرها. ولقد دلل العديد من المفكرين مثل طوماس أكوينس Thomas Aquinas- أحد مفكري العالم المسيحي- على أن الحركات الموجودة في الكون دليل على وجود الله.

وعند النظر من زاوية دليل الحركة، فإن اكتشاف وجود الحركة في الكون ليس في نظامنا الشمسي أو في 3- 5 نجوم فحسب، بل في الكون قاطبة، يمثل معلومة مهمة للغاية من حيث معرفة القدرة المطلقة لله خالق الحركة. لذلك فإن إشارة الآية إلى المدارات الموجودة في الكون بشكل معجز مهمة جدا من هذه الناحية. وبينما تتحرك كل المجرات كمجرة، وتسبح نجوم هذه المجرات في مداراتها، والكواكب فيما حول النجوم في مدارات بيضاوية الشكل، تتحرك الأقمار حول الكواكب أيضا. ولو لم تخلق الحركة على نحو جوهري في المادة، لما استطعنا الجلوس في مقاعدنا، ولا مشاهد التلفاز ونحن نحتسي القهوة، بل ولما وجدت القهوة، ولا التلفاز، ولا شمسنا، ولا عالمنا أيضا، ولا نحن كذلك. كل هذه الحوادث كانت عن طريق خلق الكون الذي يمكن أن تتوفر فيه الحركة، وخلق المادة بشكل يتفق والحركة، ومنح المادة القدرة على الحركة. إن حركة النجوم في مداراتها، ووجود حركة الكواكب فيما حول النجوم؛ قد أدت إلى إمكانية وجودنا، ووجود القهوة التي نشربها أمام التلفاز. لقد قال العديد من الفلاسفة أن وجود الحركة التي مكنت من تكون نتائج لا حصر لها، ومشاهدة الحركات الكاملة، المنظمة، الدقيقة بدءا من المجرات أكبر الوحدات الكونية وحتى الذرات التي تمثل أصغر وحداته، تصرخ منادية على أولئك الذين يريدون فهم قدرة الله مالك الكون. ولا شك أنه سيكون ثمة من لا يسمعون هذا النداء. وعلى النحو الآتي نعرض الآيتين 8، و9 اللتين تليان الآية 7 من سورة الذاريات اللتين تشيران إلى المدارات الموجودة في الكون، وتجذبان الانتباه إلى كلمات المنكرين المتناقضة، و إلى إعراضهم عن الحقيقة:

” إِنَّكُمۡ لَفِي قَوۡلٍ مُّخۡتَلِفٍ ♦يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ ♦”

51- سورة الذاريات؛ الآيتان: 8،9

Leave a Comment