Tuesday 21 May 2019

السببية المقصودة

This post is also available in: الإنجليزية, الألبانية, البوسنية, التركية

” أَلَمۡ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوۡ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلۡنَا الشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلًا”

25- سورة الفرقان؛ الآية 45

نحن على قناعة بوجود إشارات مهمة تتعلق بالسببية في هذه الآيات التي اقتبسناها. والمهتمون بالفلسفة يعلمون أن المناقشات التي تدور حول السببية تقتضي وجود موروث فلسفي. ولا يمكن العثور على كتاب فلسفي واحد، ولو حتى أثر واحد لنقاش دار حول السببية في عصر نزول القرآن، وفي المنطقة التي نزل فيها. ولا شك أن إشارة القرآن إلى موضوع مهم وصعب مثل السببية في منطقة سادها الجهل، والحياة البدائية؛ إشارة مهمة جدا. فجميع الشروح الفلسفية المسلم بها تاريخيا، واستناد مشاهير الفلاسفة إلى الموروث الفلسفي السابق عليهم، كل ذلك تكون نتيجة دخولهم في نقاش مع هذا الموروث أو سعيهم إلى تطوير الموروث الموجود. أما الشروح التي أدلى بها القرآن دون الاستناد إلى أي موروث على الإطلاق، فإنها تظهر تفوق القرآن في هذا الموضوع.

يقول الله في تلك الآية إنه خلق الظل، ثم يشير بعد ذلك إلى أنه جعل الشمس عليه دليلا. أي أن الله يقول إن وجود الظل لم يكن نتيجة حتمية لوجود الشمس، فوجود الظل نتيجة لتدبير الله بشكل كامل. وتسلم الآية بعلاقة الوجود بين الظل والشمس وتجذب الانتباه إلى خلق علاقة السببية هذه. أي أن النموذج الذي صرح به القرآن؛ يختلف تماما عن الشكوك التي تسلم بعدم وجود العلاقة السببية مثل هيوم Hum، وكذلك عن وجهات النظر التي تعلل وجود الكون بحتمية القواعد السببية الموجودة صدفة.

إن السببية واحدة من المواضيع ذات الاهتمام الأساسي بالنسبة لرجال العلم. فهي العنصر الذي يربط الكون المدرك بعضه ببعض. إن ما يخلص عالمنا من أن يكون كابوسا، هو عمله بواسطة علاقات السبب والنتيجة. ولو لم تكن علاقات السبب والنتيجة موجودة، لأصبحت حياتنا أكثر تعقيدا من حلم. وهناك علوم مثل الطبيعة والكيمياء تسلم بالسببية دون نقاش. وجميع الطائرات، والأقمار، وأجهزة التلفاز المصنعة باستخدام هذه العلوم، ظهرت نتيجة للثقة بعلاقة السبب والنتيجة. لقد شكك ديفيد هيوم David Hume في السببية غير أنه مضطر، مثل جميع البشر كذلك، إلى الاستناد على قواعد السببية أيضا، لأنه لا قبل لأي إنسان أن يعيش منكرا السببية. فيهوم مثلا، لو لم يتمسك بسبب مثل كتابة نص، لاستحال وجود كتابه” دراسة حول طبيعة الإنسان”! ولم تكن مناقشة الغزالي للسببية من أجل إنكارها، وإنما كانت معارضة لإحلالها محل إرادة الله. والمثال الشهير الذي قدمه الغزالي من أجل اشتعال القطن، كان من أجل الكشف عن السببية كنظام مخلوق، والتي نسميها السببية المقصودة.

وربما يظن من لا يعلمون أن السببية كانت موضع نقاش في الفلسفة أن ما قلناه عبثا. غير أن الداعي للقيام بهذه الشروح ينبع من ورود الإيضاحات المغالية الرافضة” للسببية” في تاريخ الفلسفة. لقد تجاوزت جميع العلوم الطبيعية هذه القضية لكن هذه المشكلة ما زالت قائمة بالنسبة بعض الفلاسفة.

يسلم القرآن بالسببية. وما يشار إليه في العديد من الآيات على نحو” سنة الله”، هو تلك القواعد المطبقة في الكون ارتباطا بعلاقة السبب والنتيجة. وكما سنرى في الأقسام التالية من كتابنا فإن القرآن يشير أيضا إلى النظام الرياضي الموجود في الكون؛ وهو ما يعني عمل علاقات السببية وفقا لنظام رياضي أيضا.

وليس هناك على الإطلاق أي تناقض بين ما صرح به القرآن ورجال العلم الذين يعبرون بواسطة الأسس الطبيعية والكيميائية عن قوانين السببية التي تعمل في الكون.

لكن لا بد ألا ننسى أن القرآن يعرف السببية في إطار القصد رغم إقرارها بها. وبرغم أن الأسباب تسبق النتائج في علاقة السبب والنتيجة؛ إلا أن النتيجة مقصودة من قبل. أي أن القرآن يدافع عن السببية المقصودة لأن النتيجة معلومة مسبقا. ويتحقق الهدف في سلسلة الهدف والوسيلة التي صرحها بها القرآن في إطار علم الله، ولا قبل للمصادفات أن تتدخل في هذا الأمر، ولا أن تكون الوسيلة خالقة. ورغم تسليم القرآن بالسببية، إلا أنه لا يقر بتلك الوجهات من النظر التي ألّهتْ فيها السببية. فوجود الظل ليس نتيجة حتمية لوجود الشمس؛ إذ صمم الخالق الشمس بحيث تكون نتيجة لخلق الظل. إن ما قدمه القرآن، هو نموذج الكون الذي يعمل وفقا لعلاقات السبب والنتيجة.

فرضية البروتين والسببية المقصودة

لندرس الآراء القرآنية التي تقول بخلق الله لقواعد السببية، وآراء الملحدين الذي يألهون قوانين السببية في إطار نموذج محسوس. ولنتناول بروتين الهيموجلوبين الذي يقوم بنقل الأكسجين الموجود في دمائنا من الرئتين إلى الخلية كنموذج لذلك. ويسلم الجميع سواء أكانوا يؤمنون بالدين أو كانوا ملحدين، بأن هذه المادة تحمل الأكسجين إلى الدم.

حسن، إذا كان كلا الطرفين يقبل بأن نفس السبب يؤدي إلى نفس النتيجة فما الفرق بينهما؟ الفرق هو: أن الملحد يضطر لربط خلق الهيموجلوبين بالمصادفات أي بالعبثية لأنه يرفض كون السبب الموجود مخلوق بطريق القصد. أما الإنسان الذي يؤمن بالقرآن( وهذا الأمر نفسه يسري بالنسبة للأديان الأخرى التي أرسلها الله؛ اليهودية، والمسيحية)؛ فهو يدافع، حيث يؤمن بالسببية المقصودة، عن وجود الهيموجلوبين قصدا، وكون مخلوق بطريق القصد ولم يتكون مصادفة.

حسن؛ كيف سنعرف من المحق؟ علينا أن نعثر على حَكَم يحترم ويقدر العلوم الطبيعية والفلسفة لأقصى درجة. في الغالب لن يعترض أحد على أن تكون الرياضيات هي ذلك الحكم. وليس هناك احتمال لأن تكون ثمة معارضة حقيقية في الفلسفة للرياضيات، ولا في علوم الطبيعة أيضا( فعلوم الطبيعة تعتمد في الأساس على الرياضيات).

وطالما أن نقاشنا تركز في الحدوث مصادفة أو الحدوث المقصود؛ فعلينا أن ندرس في مثال بروتين الهيموجلوبين، فرضية حدوثه صدفة ونحاول حل هذه القضية. تتكون البروتينات كما تعلمون نتيجة تتابع الأحماض الأمينية. وفي أثناء تكوين هذه الأحماض الأمينية، يتحول واحد منها فقط إلى بروتين، ويخرج من كونه بروتينا ويعجز عن أداء وظيفته.( على سبيل المثال، المرض القاتل المعروف بفقر الخلية orak، فهو ينبع نتيجة تغيير حمض أميني واحد) ويوجد في جسم الإنسان 20 حمض أميني. أما بروتين الهيموجلوبين الواحد، فإنه يتكون بتتابع مسلسل محدد ل 574 حمض أميني. ولنفكر في تتابع الأحماض الأمينية الموجودة في جسم الإنسان لكي تكون هذا البروتين: إن احتمالية تكون الحمض الأميني في المرتبة الأولى من هذا البروتين هي 1/20، أما احتمالية تكون الحمض الأميني الموجود في المرتبة الثانية فهي 1/20 x 1/20، بينما أن احتمالية تكون البروتين كله 1/20 574.

وعلى الفور سيدرك من يفهمون الرياضيات أن هذا عدد مستحيل. ولكن علينا محاولة الكشف عن السبب في استحالة هذا العدد. إن عدد الجزيئات الستة للنواة المتوقع وجودها في الفضاء هو 10 80. أي أن هذا العدد هو أكبر عدد موجود في الكون. أما عمر الكون فهو 15 مليار سنة تقريبا. 365( يوم) x orak 15 سنة عمر الكون x 24(ساعة) x 60( دقيقة) x 60( ثانية)= عمر 473.040.000.000.000.000. وعندما نقوم بضرب عدد الجزيئات الموجودة في الكون(10 80) مع الثواني الموجودة في الكون( حوالي 10 18) نصل إلى عدد يبلغ حوالي 10 98.( لا تنسوا أن 10 100 يبلغ 100 ضعف من 10 98. أما العدد 20 574 فهو عدد كبير يستحيل تلفظه وهو أكبر أضعافا وأضعافا من 10 98) وهذا العدد يعني: أنه لو صار كل واحد من جميع الجزيئات الموجودة في الكون( مثل الإلكترون، والبروتون) حمضا أميني وهمت كل ثانية موجودة في الكون لتكون ذرة هيموجلوبين دفعة واحدة، لما تكونت قط ولو حتى ذرة هيموجلوبين واحدة.

وفي النهاية انهزم أمام الرياضيات منكرو خلق الأسباب على نحو مقصود. علاوة على أن حساب الفرضية هذا، أجرى حيث تم التسليم بانتفاء جميع المؤثرات مثل: وجود الأحماض الأمينية، وكون جميع الأحماض الأمينية هي الأحماض الأمينية الخمسين اليسارية المستخدمة في الخلية الحية، وتحقق طبقات البروتين الثلاثية الأبعاد الضرورية، وضرورة تجميد التفاعلات حينما يتكون البروتين. ولو أضيفت كل هذه المراحل إلى الاحتمالية، لاستحال ما هو مستحيل في الأصل، على نحو أكثر ما هو عليه، غير أن العدد الموجود يعني استحالة تكفي لمن على دراية بالرياضيات. وهكذا ينتج جسمنا ملايين الأعداد كل ثانية من بروتين الهيموجلوبين هذا الذي يستحيل تكونه عن طريق الصدفة. أجل، إنكم لم تقرءوا شيئا خطئا. كل ثانية وملايين!

وترى وجهة النظر المادية التي تؤمن بالصدفة أن الهيموجلوبين عامل يتكون صدفة، وفي ظله يصل الأكسجين إلى الخلايا، أما ذلك الإنسان الذي ينظر إلى الأمر من خلال المعلومة التي قدمها القرآن؛ فيرى الهيموجلوبين عاملا خلق وفقا لهدف معين، يرسل الأكسجين في ظله إلى الخلايا، وعلى هذا النحو يخلق الله السببية.

ويمكننا أن نوسع هذا المثال الذي قدمناه من أجل الهيموجلوبين بدءا من أساليب العمل الأخرى الكامنة في أجسامنا وحتى عالم الحيوانات والنباتات، ومن هناك من الظواهر الموجودة في عالمنا وحتى الفضاء. فقواعد السببية في جميع هذه المجالات تعمل في إطار القصد والهدف.

ماذا يمكن أن يكون مسبب السببية؟

يمكننا العثور على سبب وجود السببية إذا ما تساءلنا” لو لم تكن السببية موجودة ماذا كان يحدث؟” لو لم تكن السببية موجودة لما أمكن التفكير، ولا تناول الطعام، ولا المشي أيضا. وفضلا عن إمكانية وجود الكون من عدمه إذا لم توجد السببية، فمن المحقق أننا كنا سنعجز عن فهم كوننا ما لم توجد السببية. إن فراغ معدتنا سبب من أجل تناول الطعام. ويرتبط ثبات الطعام الذي نأكله حين نضعه أمامنا على نحو ما بالجاذبية الأرضية، وكذلك يرتبط دخول اللقمة التي نبتلعها إلى المعدة بالسببية أيضا. ونحن نفكر ونعي المخلوقات الموجودة في الكون وفقا لقواعد السببية أيضا. كما تعتمد على السببية أيضا دراستنا للكون التي تفيدنا في إدراك جمال صنع الله، وعلمه المطلق على هذا النحو.

وتتحقق القدرة على فهم قواعد السببية في ظل تمكين الله القدرات التي منحها عقولنا وهذه القواعد أيضا من الفهم. وتتكون أفكارنا في إطار السببية. وتعتمد مراحل إنتاج عقلنا للأفكار على السببية. وربما عجز العديد من البشر عن تقدير الخلق المثالي في الكون لو كانت الروابط السببية الموجودة فيه بسيطة جدا. ولو كانت المخلوقات الموجودة في الكون أكثر تعقيدا وأخفقنا في حل علاقات السببية؛ لتولد خطر العجز الشديد عن معرفة خالق الكون لأننا لن نستطيع إدراك الكون. وخلاصة الكلام أن ارتباط الكون بعلاقات السبب والنتيجة بالشكل الموجود، حادث نتيجة تدبير الله الكامل.

إن الخطأ الأكبر الذي تردى فيه الملحدون؛ نتيجة اعتقادهم أن الأسباب الموجودة في قواعد السببية تكونت مصادفة، إنما هو ربطهم النتيجة بالمصادفات أيضا. في حين أننا أثبتنا مدى استحالة وجود الصدفة حتى بالنسبة لمثال بسيط جدا مثل بروتين الهيموجلوبين. وإذا ما تبين أن العوامل الموجودة في علاقات السبب والنتيجة لم تتكون صدفة، تبين جيدا أن جميع النتائج التي في الكون من صنع الله. إن الإلحاد المادي الذي لا يرى السببية عملية مخلوقة بل يراها خالقا، قد ألّه المادة وقوانين السببية الكامنة فيها. وعند غربلة فكرة المصادفة؛ تكون جميع الموجودات التي في الكون نتيجة علم مطلق، وقدرة مطلقة بشكل تلقائي. وقد منع تخييل الظواهر العرضية في مفهوم الزمان الذي تكون في إطار مراحل الخلق، الملحدين من إدراكهم الخالق الموجود أزلا. إن كل معلومة تتكشف عند القضاء على مفهوم الصدفة، ترتقي لتصبح موجودة منذ الأزل، لأن من يدعون أن شيئا أو معلومة تكونت صدفة، يربطون هذه المصادفات بالعملية الموجودة في إطار الزمان. وحين تنعدم الصدفة، فإن هذا يعني أن كل ما هو موجود قد تحقق بواسطة علم موجود أزلي. وهكذا يتبين أن الكون عملية خلقها( في إطار قواعد السببية) موجود أزلي. وتمثل قضية خلق الله للكون إحدى الرسائل الأساسية الواردة في القرآن، وهو موضوع يعالج في مئات الآيات القرآنية.

Leave a Comment