Tuesday 21 May 2019

مدار القمر

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, التركية

” وَالۡقَمَرَ قَدَّرۡنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالۡعُرۡجُونِ الۡقَدِيمِ ”

36- سورة يس؛ الآية 39

القمر، كبير جدا بالمقارنة بالأقمار الأخرى من النظام الشمس. وهناك نظريات مختلفة تتعلق بتكوينه. وطبقا لأكثر نظرية انتشارا، فإن أرضنا اصطدمت بأحد الأجرام السماوية، فانفصلت كتلة كبيرة جدا من القشرة الأرضية بتأثير هذا الاصطدام، ثم تحولت هذه الكتلة إلى القمر. حتى ولو لم يكن هذا مؤكدا؛ فإن البيانات العلمية التي وردت في الآونة الأخيرة من” Lunar Prospector” المنقب القمري الأمريكي تدعم هذه النظرية. وتحمل نواة القمر الصغيرة تشابها كبيرا مع القشرة الخارجية للأرض.

لقد استرعى القرآن في العديد من آياته الانتباه إلى القمر وحركاته. ولقد ظهرت بفضل البيانات التي وفرها العلم الحديث مدى أهمية وجود القمر بالنسبة للحياة التي في الدنيا. لقد ثبّتَ القمر مركز دوران أرضنا عن طريق بعده المحدد وحجمه الكبير إلى حد ما بالنسبة لأحد الأقمار. ويحمي هذا منذ مليارات السنوات ظروف كوكبنا المناخية الملائمة للحياة. ويوق بعض رجال العلم إن أرضنا حافظت في ظل قوة الجاذبية الخاصة بالقمر حماية الوضع/ الشكل السائل لنواتها المركزية. وهذا أيضا يضمن المجال المغناطيسي لكوكبنا.( سوف نتطرق لهذا الموضوع في القسمين: الثامن عشر والتاسع عشر) ولو لم يكن هذا المجال المغنطيسي موجودا لوصلت الإشعاعات الكونية إلى الأرض مباشرة. وهو ما كان سيؤدي إلى انعدام الحياة على الأرض أيضا. ويعتقد أن الأرض كانت ستدور حول نفسها في عشر ساعات لو لم يكن القمر موجوا أيضا. وهذا يعني تغيير الليل والنهار تماما، وتعرض الحياة على وجه الأرض لضربة حقيقة. فقد أخذ القمر شكله الحالي، عندما جذب المحيطات إليه، وخفض سرعة دوران الأرض.

القمر والرياضيات

إن هذه الحوادث، وكونها تتم بحسابات رياضية دقيقة للغاية بدءا من كتلة القمر وحتى سرعته، تتم في ظل تسيير الله لمخلوقاته بواسطة هذه الحسابات الرياضية الدقيقة. ولقد جذب الله الانتباه إلى الرياضيات التي استخدمها في الكون بكلمة” قدر”. ولا نريد هنا التطرق إلى التفسيرات الخاطئة التي تدور حول كلمة” قدر” بتأثير مختلقات الأمور التي تتم باسم الدين. تعني كلمة” قدر” في اللغة العربية: المعيار، وضع المعيار أي التنظيم الرياضي/ الحسابي. وبرغم أن كلمة” قدر” استخدمت في لغتنا التركية بمعنى بعيد عن هذا المعنى، فإن كلمة” مقدارmiktar ” المشتقة من كلمة” قدر” تستخدم في لغتنا بمعنى” المعيار/ المقياس”. ولقد جرى التعبير بكلمة” قدر” أيضا عن التنظيم الرياضي الإلهي في الآية 35 من سورة يس التي درسناها في هذا القسم. لقد تم حساب كل شيء بدقة وبشكل حسابي بدءا من بُعد القمر عن الأرض، وكتلته، حتى سرعة دورانه، وتجاذبه المتبادل مع الأرض، ووضعه تجاه الشمس، وجاذبية كل منهما.

لقد تحدد قدره، حتى أن أدنى حركة في هذه الحسابات كانت تتسبب في انعدام الحياة على وجه الأرض. ونرى في الأمثلة التي قدمناها فيما يتعلق بالقمر نماذج خلق الله المحكم، والأنظمة الرياضية أيضا. ليس القمر سبب الليالي الرومانسية، ومصدر إلهام الشعراء فحسب، إنه الشرط والصديق الضروري للحياة على وجه الأرض.

إن القمر يتجول حول الأرض بفضل تحقيق العديد من القوى توازن بعضها البعض. وتؤثر في هذا أيضا جاذبية الكواكب الأخرى بقدر ما تؤثر في ذلك جاذبية كل من الأرض والشمس. لقد تم ضبط المعيار الكامن في توازن حركة القمر من بين مئات الأسس المختلفة. أما بالنسبة للحياة الموجودة في الأرض، فهي مشروطة بتتابع الآلاف من العناصر الأساسية الضرورية. القمر مجرد واحد فحسب من هذه العناصر الأساسية. وهكذا فقد خلق الله نظاما على هذا النحو لدرجة أن وجود القمر- الذي يمثل واحدا فحسب من العناصر الضرورية من أجل وجود الحياة في الأرض- يحقق الحياة في الأرض ودورانه في مداره مرتبط بالمئات من العناصر الأساسية بدقة حسابية عظيمة. أما التكون الذي يحدث في نهاية هذا، فهو مجرد عنصر واحد من الآلاف الضرورية من أجل حياتنا.

العرجون القديم

يكمل القمر دورانه البيضاوي حول الأرض في خلال 27 يوما، و7 ساعات، و43 دقيقة و11 ثانية. ويمثل ورود كلمة القمر27 مرة في القرآن معجزة أخرى من معجزات القرآن.( سوف نعرض لهذا الموضوع في الجزء الخاص من الكتاب بالمعجزات الرياضية) يتحرك القمر حول الأرض في مدار معوج، ملفوف. ويتتبع القمر مسلكا حلزونيا بينما تكمل الأرض دورانها حول الشمس، على أن القمر يكون أمام الأرض أحيانا، وخلفها أحيانا أخرى. وهكذا فإن له مدارا يتحرك بينما يدور متلويا على طول مدار الأرض. تماما مثل غصن ملتوي، ومعوج. ويشار في الآية التي ندرسها في هذا القسم إلى مدار القمر بكلمة” عرجون”.

وهي تعني سبط البلح المعوج، الملتوي. ولقد وصف هذا السبط المعوج في الآية بأنه ” قديم” لأن القديم منه يكون أدق وأكثر التواء. وهذا تشبيه تصويري جميل جدا، ولطيف للغاية. ويرافق هذا التشبيه أيضا إشارة إلى شكل المدار الذي يقطعه القمر حول الأرض، وكذلك الشكل الأول والأخير للقمر في كل مراحله. إن التشبيه الذي أجرته الآية بالسبط المعوج، القديم تشبيه في غاية الإعجاز بقدر إعجازها في جذب الانتباه إلى الضبط بالمقاييس الرياضية، ولم تكن معلومات تلك القترة تمكن من معرفة الدقائق الحسابية الكامنة في مدار القمر، ولا شكل المدار الذي يرسمه بينما يدور حول الأرض.

ارتباط القمر بالشمس

” وَالشَّمۡسِ وَضُحَاهَا♦ وَالۡقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ♦”

91- سورة الشمس، الآيتان: 1، 2

لقد كشف القرآن عن مدار القمر في الكون بشكل ممتاز جدا حين شبهه ” بالعرجون القديم”. وتصرح الآية التي اقتبسناها عاليا بعلاقة القمر بالشمس. ولقد ترجمنا كلمة” تلا” الواردة في الآية إلى” يتبع ويقتفي Uyup izlemek”. وتعني هذه الآية الارتباط، وتتبع شيء ما والسير في إثره. حقا إن القمر يدور مع الأرض التي هو قمرها حول الشمس، كما يتحرك هو والأرض إلى حيثما تتحرك الشمس في الكون. وتدور الشمس والأرض حول الشمس التي تتحرك وتتقدم. أي أن القمر وأرضنا كلاهما مرتبط تماما بحركة الشمس. ويغيران وضعيهما في الكون مقتفين أثر الشمس.

إن الشمس هي مركز الحركة بالنسبة للنظام الذي يوجد فيه القمر. وإن التصريح بارتباط القمر بالشمس وتبعيته لها معجزة من معجزات القرآن التي لا حصر لها. وإن شعورنا بالحيرة ليزداد أكثر وأكثر في كل معجزة…

Leave a Comment