Wednesday 12 December 2018

علقة في جدار الرحم

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, الكردية, التركية

” ثُمَّ جَعَلۡنَاهُ نُطۡفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ♦ ثُمَّ خَلَقۡنَا النُّطۡفَةَ عَلَقَةً ♦ ”

23- سورة المؤمنون؛ الآيتان 13، 14

” علقة” هي المقابل العربي للكلمة التي ترجمناها إلى” asılıp tutunan şey/ الشيء العالق المستمسك” في الآية. المعني الأساسي لهذه الكلمة في اللغة العربية” المادة التي تظل عالقة، متماسكة”. ولهذا السبب فإن الأصوب ترجمة الآية وفقا لهذا المعنى الأساسي.

لم يكن هناك فرع من فروع العلم يعرف باسم علم الأجنة في العصر الذي عاش فيه الرسول. ولهذا السبب لم تكن هناك أيضا اصطلاحات تتعلق بعلم الأجنة هذا. ويشرح القرآن مراحل الجنين بأفضل ما يُعرف وضع الجنين من الكلمات التي استخدمها من عاشوا في عصر نزوله من البشر. حيث” تتعلق وتلتصق” بجدار الرحم تلك الخلية الملقحة التي هي مضغة صغيرة. وعلى هذا النحو يكشف القرآن عن إحدى المراحل التي نمر بها في عملية خلقنا والتي كانت مجهولة في عصر نزوله، حيث يشرح واقعة” التعلق والالتصاق” هذه. لهذا فإن ترجمة كلمة” علقة” على نحو” الجنين” بعيدة عن المعنى الأساسي لها وغير مناسبة له لأنها لا توافق أصلها بقدر كاف، ولأنها تعجز عن التعبير عن مراد الآية. ولما كان اصطلاح الأجنة غير موجود في عصر الرسول، فإن الترجمة التي تتم وكأنها استخدمت كلمة خاصة من أجل الجنين لن تكون ترجمة صحيحة، كما أن ترجمة الآية إلى” جُلطة الدم” أيضا مخالفة للمعنى الأساسي للكلمة ومناقضة لما تشير إليه الآية. ربما ترون أن جُلطة الدم تناسب ترجمة الآية نتيجة تكوينها اللزج، حتى أنها أضيفت إلى القواميس على أنها معنى فرعي لهذا المعنى. والسبب في هذا هو محاولة العاجزين عن فهم معنى الآية، الزج بما فهموه في الترجمة. ولأنه لم يعرف حتى بعد مئات السنوات من نزول القرآن أننا مررنا بمرحلة” العلقة” في رحم الأم، فقد سعى البعض لإعطاء معنى بعيد عن المعنى الأساسي لكلمة” علقة”. غير أنه كما عبر حقيقة علم الاصطلاح الحديث عن المعنى الأساسي لكلمة” علقة”، فقد كشف أيضا عن المرحلة التي مررنا بها في أرحام أمهاتنا.

نور القرآن في ظلمات التاريخ

لو أننا درسنا المؤلفات المعاصرة للقرآن، وتلك المؤلفات التي دونها البشر قبل نزوله أو في العصور التالية لنزوله، لرأينا أن هناك أطارح خاطئة زُعمت باستمرار بشأن تناسل الإنسان. ولقد أبرزت الأساطير والتخيلات الواهمة نفسها على مر العصور الوسطى. إذ شكلت فكرة هاري Harvey في عام 1651 التي ترى أن” كل كائن حي يتكون في بداية الأمر من بيضة وأن الجنين يتكون جزءا جزءا” المرحلة الأساسية في تاريخ علم الأجنة. وفي القرن 17 الذي استفاد من اختراع المجهر، كانت لا تزال الأدوار المتبادلة لكل من البيضة والحيوان المنوي موضع نقاش. وكان بوف Buffon عالم الطبيعة الكبير يقف إلى جانب” أصحاب فكرة البيضة”. وكان بونف Bonnef الذي يساند نفس الفكرة يدافع عن نظرية تناسل الحبوب داخليا:

” وحسب هذه النظرية فإن جميع أفراد بويضات البشر الذين سيولدون مستقبلا توجد في مبيض حواء أم الجنس البشري على أنها تتناسل داخل بعضها البعض. لقي هذا الفرض اهتماما إلى حد ما في القرن 18.”

وبعد أن أورد هذه المعلومات الأستاذ الدكتور/ موريس بوسيل Maurice Bucaille المسلم الذي اكتشف التوافق القائم ما بين القرآن والعلم، علق على النحو التالي قائلا:” كان الناس قد عرفوا القرآن قبل ألف عام ونيف من القرن 18 الذي راجت فيه تلك الأفكار الخيالية. وكان يجري الحديث عن الحقائق الأساسية والأخبار المتعلقة بتناسل الإنسان في إطار التعبيرات البسيطة، تلك التي سينفق الناس أعمارهم من أجل كشفها.”

أما كيث مور Keith Moore أستاذ التشريح بجامعة تورنتو بكندا، الذي قال إن ما أخبر به القرآن حول علم الأجنة يستحيل لأي من البشر الكشف عنه في القرن السابع، فإنه يوجز قائلا ما يلي:” ليس هناك قدرة في القرن 7 على قول ما أخبر به القرآن حول نمو الإنسان. حتى إن هذه المعلومات كانت مجهولة تماما قبل قرن من هذا. إننا نفهم الآن بحق هذه الآيات تماما الفهم، لأن تطور علم الأجنة الحديث مكننا من فهم هذه الآيات.”

حقا إننا عندما درسنا التاريخ، وجدنا أن القرآن فحسب هو الذي كشف عن تطور الإنسان في رحم الأم دون أن يقع في أي خطأ على الإطلاق. ولنتناول، على سبيل المثال، الآيات التي درسناها في هذا القسم والتي تذكر أن الإنسان مر بمرحلة” العلق” في رحم الأم. ويستحيل أن يكون هناك ولو حتى مصدر واحد يمكن ذكره كشف عن هذه المعلومة على مر التاريخ باستثناء القرآن، غير أن بني البشر عرفوا هذه المعلومة في النطاق العلمي في السنوات القريبة بفضل اختراع المجهر وتطوره، وتكاتف التقدم العلمي لكل من علوم: الطبيعة، والتشريح، والأجنة.

” تِلۡكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِالۡحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعۡدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤۡمِنُونَ”

45- سورة الجاثية؛ الآية 6

الأدلة الموجودة في مراحل الجنين

يتقدم الحيوان المنوي الذي يعثر على نصفه الآخر في البويضة مارا من قناة فالوب fallop نحو رحم الأم. ولا يحاول الجنين في أثناء رحلته هذه التعلق في قناة فالوب، فالجنين يسلك الطريق مباشرة نحو رحم الأم، وعندما يصل الرحم يعلق بمنطقة تتكاثف فيها أوردة الدم. وعندئذ تبدأ مرحلة” العلقة” التي تحدث عنها الله.

كيف تسلك هذه الخلية اللاواعية، الضعيفة طريقها نحو الرحم أنسب، بل وحتى المكان الأوحد الأنسب بالنسبة لها؟ كيف يحدث أيضا أن يستطيع الجنين التعلق بجدار الرحم حين يصله وكأنه علقة ويحصل منه على الأغذية اللازمة لنموه؟( كلمة” sülük/ علقة” من المعاني الفرعية أيضا لكلمة علقة) كل هؤلاء، أدلة على أن الله قد دبر كل مرحلة وفق حساب حساس للغاية حين خلقنا. وسوف يقع كل من لا يقرون بأن هذا التدبير العظيم من آثار الله، في ترهات ربط كل هذه الظواهر بالمصادفات أو بالمهارات العالية للجنين.

يتمكن الجنين بفضل نظام معقد من التعلق بجدار الرحم في مرحلة” العلقة”. يفرز الجنين إنزيما يسمى هيولورداز hiyoluronidaz لكي يتمكن من تمزيق الطبقة الحمضية الموجودة في جدار الرحم. وفي ظل هذا الإنزيم تتحلل أنسجة الرحم ويستقر الجنين بجدار الرحم وكأنه نبتة غرست جذورها في باطن الأرض. إذن يوفر الجنين حاجته من الغذاء والأكسجين من هذه النقطة. إنا مادة هيولورداز التي أفرزها الجنين، تخترق تكوين حمض الهليور hiyalüronik الموجود في جدار الرحم وتحقق هذا الاندماج.

إن اكتشاف الجنين للموضع الذي سيعلق به، وحركاته التي يقوم بها وكأنه تلقى تدريبا كيميائيا من أجل الالتصاق بهذه النقطة، أدلة على أن الجنين يتم تحريكه كجزء من خطة كبيرة. وتقوم خلايا الجنين في رحم الأم بأعمال رائعة إلى هذا الحد لدرجة أن دارسها يظن أن هذه الخلايا كائنات عالية الذكاء. ويقول عالم الأحياء لاور ايتين Laurie Iten من جامعة برودي الذي تأثر بحركات هذه الخلايا التي تبدو وكأنها عاقل، واعية:” نحن نؤمن أن هذه الخلايا تتحدث مع بعضها البعض. إنها ليست خرساء.”

” ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ♦ خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰـنَ مِنۡ عَلَقٍ ♦”

96- سورة العلق؛ الآيتان 1-2

Leave a Comment