Wednesday 16 January 2019

خُلِقنَا من عدم

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, التركية

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرۡضِ وَإِذَا قَضَى أَمۡراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ

2- سورة البقرة؛ الآية 117

كلمة ” إبداع” الواردة في الآية، تعني خلق الشيء من العدم، وليس من أي شيء. علاوة على أن هذه الكلمة لا تعني- وفقا لما تحمله في طياتها من معاني- خلق شيء وفق نموذج ما، بل خلق الشيء دون أن يكون له نظير ولا شبيه. والأمر الأكبر إعجازا في عملية الخلق، هو خلق جميع الكائنات الموجودة من عدم. ولنا أن نفكر على سبيل المثال في الألوان الموجودة، وكما أننا لا نستطيع التفكير في لون لم يره أحد منا على الإطلاق؛ فإننا نعجز عن صنعه أيضا. وبرغم معرفتنا للألوان الموجودة، إلا أننا نعجز عن خلق لون جديد. لكن الله خلق الألوان جميعها، وخلق مفهوم اللون بينما كان مفهوما منعدم الوجود، بل خلق الكون الذي يحتوي الألوان وكل شيء من عدم أيضا. كم أن خلق مفهوم منعدم، وخلق كل الأنواع التي يحتويها قوة عظيمة وإبداع عظيم…

ويزعم الملحدون الذين ينكرون وجود الله أن المادة موجودة منذ الأزل، وأنه ليس ثمة بداية لوجودها، وأن كل شيء موجود قد تكون نتيجة للصدفة. وترى هذه الوجهة من النظر أن المادة غير مخلوقة، وأنها موجودة أبدا. ويوضح جورجس بولتزير Georges Politzer أحد الفلاسفة الملحدين هذا الأمر في كتابه المسمى” مبادئ بداية الفلسفة” قائلا: إن الكون غير مخلوق. ولو أنه كان مخلوقا، للزم عندئذ أن يكون قد تم خلقه في لحظة محددة من قِبلِ الله، وأن يكون قد خلق من عدم. ولابد من أجل التسليم بقضية الخلق، من التسليم أولا بوجود لحظة لم يكن قد وجد فيها الكون بعد، ثم التسليم بصدور شيء من العدم.”

إن الإلحاد هو إنكار وجود الله، أما الفلسفة المادية فهي المذهب الطبيعي، غير أن كلا الكلمتين استخدمتا مكان الأخرى في كثير من الأوقات. وذلك لأن الملحدين الذين يكفرون بوجود الله، هم ماديّون( من أصحاب المذهب المادي) بشكل تلقائي أيضا لأنهم سلموا بأزلية المادة. ويضطر الملحدون للتسليم على نحو لا فكاك منه بأن المادة غير مخلوقة وأنها موجودة منذ الأزل. أما بعض الفلاسفة الموجودون في اليونان القديم، فإنهم لم يصرحوا بأي شيء على الإطلاق بخصوص خلق المادة رغم تسليمهم بوجود الله. وليس من الصواب القول بشكل مباشر أن كل ملحد مادي الفكر، وكل مادي ملحد.

وتعتمد أصول الدفاع الصريح والمشترك سواء أكان عن وجود الله، أم عن خلق المادة على أديان التوحيد؛ تلك الأديان التي تدافع صراحة عن وجود الله وكذلك عن خلق المادة له على حد سواء. وهكذا فإن قضية خلق المادة تأخذ وضعا على هذا النحو من حيث أن إثبات خلق المادة هو إثبات لوجود الله، وهو ما يمثل في الوقت ذاته دليلا على أن الأديان اليهودية، والمسيحية، والدين الإسلامي هي الأديان المنزلة من عند الله.

وربما أن هناك بعض من البشر يعبدون الشمس، والقمر، والنار في عصرنا هذا. ويمارس هؤلاء البشر معتقداتهم هذه دون أن يكون لديهم أي سند عقلي، أو علمي، أو فلسفي. ولن يفيد القيام بشرح علمي أو منطقي، أو عقلي في مواجهة هذه المعتقدات التي لا تقبل بالعقل، أو المنطق، أو العلم مقياسا. فهؤلاء الناس يحتاجون إلى الأدلة التي من شأنها أن تقوض أحكامهم المسبقة، وتدمر أفكارهم المتحجرة. ونرى أن وجهات النظر الثلاثة المتباينة الموجودة في تاريخ الإنسانية البشرية كلها تزعم توافقها مع العقل والعلم. تزعم وجهات النظر هذه، على الأقل، أنها ارتضت بالعقل، والمنطق، والعلم كمعايير، ولهذا السبب فإننا نحاول في هذا الكتاب تناول وجهات النظر هذه، ومعرفة أي من هذه الأفكار هو الصواب. وتلك هي وجهات النظر الثلاثة:

1) التوحيد: هناك إله واحد. هو خالق المادة، وهو خالق هذا الكون العظيم بما فيه من أحياء وجماد.

2) الفلسفة المادية الملحدة: المادة موجودة منذ الأزل. وكل شيء يتكون من هذه المادة بسبب سلسلة من الأحداث العرضية/ المصادفات.

3) اللا أدرية، مذهب الشكي: نحن لا نستطيع معرفة أي من وجهتي النظر صحيح. فربما يكون كلاهما صواب.

إذن، هناك شقان أساسيان، أما الشق الثالث فهو يعني تعذر معرفة صحة واحدة من وجهتي النظر هاتين، أكثر من كونه وجهة نظر جديدة. أصحاب هذه الوجهة من النظر يدعون أنه لن يمكن الفصل في قضية خلق المادة وغيرها من المخلوقات الأخرى أم لا؟ وعلى سبيل المثال، فإن الآراء اللا أدرية ترد في عبارات فيلو عندما يستنطق ديفيد هيوم David Hume ((1711-1776 كلا من كلينسيس Cleanthes وفيلو Philo متواجهين في كتابه المسمى” حوارات حول الدين الطبيعي”. كما يقول قانط (1724-1804)Kant في كتابه المسمى” نقد العقل الخالص”: سوف تتعذر علينا معرفة هل المادة مخلوقة أم لا، وهل الإنسان مخلوق أم لا، ويشق علينا إدراك هذه الأمور”.( وبالرغم من أن أفكار قانط لا أدريّة، إلا أنه كان يؤمن بوجود إله. ويمكن أن يشكل أي رمز في حوارات هيوم Hume موضوع نقاش يعكس أفكار هيوم بشكل تام)

نظرية الانفجار العظيم تقوض كلا المذهبين:

الإلحادي واللا أدري/الشكي

يعتبر الفكر اللا أدري أنه صاحب ادعاء بقوله” نحن لا نستطيع فهم هذا”. وإذا تأكدت وجهة النظر التي تقول” بوجود بداية للمادة”؛ فلا بد وأنه سوف يثبت خطأ وجهة النظر التي تزعم” أنه لا بداية للمادة”، كما ستتقوض أيضا الأطروحة التي تدعي” تعذر معرفة حقيقة خلق المادة من عدمه؟ ” وهكذا فإن إثبات وجود بداية للمادة يمثل ضربة لوجهة النظر اللا أدرية( المذهب الشكي، الجهلي) بقدر ما يمثل ضربة للمذهب الإلحادي. وعندما يتبين أن المادة ليست أزلية وأنها مخلوقة فلا بد وأن يتخلى الملحدون عن إلحادهم، ولا بد وأن يتخلى اللا أدرييون أيضا عن شكهم. ولو أنكم تتذكرون العبارة الواردة في الآية 30 من سورة الأنبياء رقم 21، فستجدون أن ثمة تساؤلا يرد في ختامها على نحو” أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ؟” إن ورود هذا التعبير في آية تُعرفُ بالانفجار العظيم، يمثل في الأصل إشارة إلى أن العديد من الملحدين واللا أدريين لن يفعلوا ما لا بد من فعله. ولكنه تبين أن شك اللا أدريين لا يختلف عن الهندوس اللذين يعبدون البقر، وأن إنكار الملحدين لا يختلف أيضا عن عباد النار الذين اتخذوا النار آلهة لهم؛ كما أنهم بنوا فلسفتهم على نقص الأدلة المنطقية، وعلى الوهم المطلق، وإغفال المنطق المحض، وتجاهل العلم. إذن، لقد تبددت المزاعم العلمية والعقلية للإلحاديين واللا أدريين. وبالأخص فيما يتعلق بقضية خلق المادة على نحو أكثر…( سنرى عندما ندرس لاحقا الآيات المعجزة الواردة في القرآن، أن ثمة عملية خلق محكمة تسود في الكون، وفي المخلوقات الموجودة بداخله، وفي خلق الأحياء أيضا، وأن الدفاع عن خلاف ذلك مجرد وهم أجوف للمذهب الشكي المسمى اللا أدرية)

ولقد اضطر بعض رجال العلم الماديين، إلى الاعتراف بأنهم أصبحوا مرغمين على للتسليم بعملية الخلق بعد تأكد نظرية الانفجار العظيم. ومن ذلك على سبيل المثال؛ الفيزيائي الإنجليزي المادي هـ. ب. ليبسون H.P. Lipson، الذي يقر على النحو الآتي أنه اضطر للتسليم بنظرية الانفجار العظيم؛ سواء رضي أم أبى، قائلا:” يبدو لي أننا مضطرون للذهاب لما هو أبعد من هذه النقطة، ومضطرون كذلك للتصديق على أن التفسير الوحيد الذي يمكن قبوله أنه ثمة عملية خلق قد تمت بالفعل. وأنا أدرك أن هذا شيء منفر لأقصى درجة بالنسبة لمعظم الفيزيائيين بما فيهم أنا شخصيا، ولكن إذا ما كانت الأدلة العملية التجريبية تدعم إحدى النظريات، فعلينا ألا نرفض هذه النظرية بدعوى أنها لا تروقنا فحسب.”

ما قبل الانفجار العظيم

يتناول ديفيد دارلينج David Darling مرحلة ما قبل الانفجار العظيم في كتابه المسمى( الزمن السحيق) ويعرفها على النحو الآتي:” لم يكن الزمان موجودا، ولا الفضاء موجودا… ولم تكن المادة ولا الطاقة موجودة كذلك… لم يكن ثمة شيء على الإطلاق موجودا… لم تكن أصغر نقطة، بل وحتى الفضاء لم يكن موجودا. لقد صدرت من هذا العدم رعشة صغيرة للغاية، في صغر خارق للعادة… هزة صغيرة جدا… تموج خفيف، دوامة ملغزة… انفتح غطاء علبة هذا الكون، وبدت أسفل منها بدايات معجزة الخلق…”

ويتحدث جريت ل. ويرشور Gerrit L. Vershuur من جامعة كوليرادو Colarado؛ في كتابه المسمى” النجوم المذنبة” عن صحة فكرة الدين في مواجهة كل الأفكار الأخرى بعباراته الآتية:” إن نظرية الانفجار العظيم، وما أظهرته المعتقدات الدينية، تؤكد أنها تتفق مع حقيقة خلق الأرض والسماء. وهذه نتيجة مفاجئة للدلالة على اتفاق الدين والفلك.”

ووفقا للمادة وحركاتها يتأكد وجود الزمان، إلا أن الزمان لم يكن أمرا واردا أيضا قبل الانفجار العظيم، وذلك نظرا لأن المادة وحركتها لم تكن موجودة أيضا قبل الانفجار العظيم. لقد خلقت المادة، والزمان أيضا مع الانفجار العظيم. إذ يرتبط كل واحد من هؤلاء بالآخر في حقيقة الأمر. ولقد أثبت حسابيا كل من روجر بينروز Roger Penrose من جامعة أكسفورد، وستيفين هيوينج Stephen Hawking في الأبحاث التي أجرياها سويا؛ أن الزمان بدأ مع بداية الكون. وأثبتت نظرية الانفجار العظيم وجود اللحظة التي زعمها الملحدون أيضا حيث قالوا” لو أن الكون مخلوق فلا بد من بداية له”. وخلاصة القول؛ إن المذهب الإلحادي قد تقوض في منصة العلم، والمنطق والعقل، ورغم ذلك فإنه لا يزال موجودا حتى اليوم معتمدا على العناد، والوهم والهوى.

وإذا كانت هناك أطروحتان فحسب- وفقا للقواعد الأساسية للمنطق- فإن تفنيد واحد منها يعنى صحة الأخرى. وإذ ثبت زيف فكرة الإلحاديين من أن المادة موجودة منذ الأزل، كان التسليم بخلق المادة حقيقة لا شك فيها، وهكذا أيضا يثبت كذب الإلحاديين، واللا أدريين القائلين بصعوبة الفصل في هذا الموضوع. إن إنكار عملية الخلق برغم هذه الأدلة الصريحة ظلم وعناد يرتكب ضد الحقيقة.

” بَلۡ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الۡعِلۡمَ وَمَا يَجۡحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ”

29- سورة العنكبوت؛ الآية 49

Comments are closed.