Wednesday 21 August 2019

خطأ الفهم التاريخي التقدمي، الخطي

This post is also available in: الإنجليزية, الألبانية, البوسنية, الكردية, التركية

” أَفَلَمۡ يَسِيرُوا فِي الۡأَرۡضِ فَيَنظُرُوا كَيۡفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ كَانُوا أَكۡثَرَ مِنۡهُمۡ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الۡأَرۡضِ فَمَا أَغۡنَي عَنۡهُم مَّا كَانُوا يَكۡسِبُونَ”

40- سورة غافر؛ الآية 82

تذكر بعض الآيات القرآنية أن بعض المجتمعات التي عاشت في الماضي، كانت تمتلك حضارة تفوق حضارة المجتمع الذي عاش فيه الرسول. ومن ذلك مثلا ما ورد في الآية التي درسناها، من أن المجتمعات السابقة تركت أثارا أعظم.

لقد حظيت” وجهة النظر التاريخية” بمكان مهم في عالم الفكر في أوائل القرن 19 بصفة خاصة. وتُذكر وجهة النظر هذه مقرونة بهيجل Hegel على وجه الخصوص. وقد قال هيجل إن الحقيقة سلسلة تاريخية، ويمكن فهم الحقيقة وفقا لتصنيفات الشرح التاريخي. إن التعبير عن التاريخ، جدير بالتقييم الذي أعده هيجل من زاوية فهم التاريخ وتقييمه. غير أنه شرح التاريخ بشكل خطي، وبفهم تقدمي مستمر، يتبع وتيرة تطورية، ويحتوي هذا التطور تقدما مستمرا. يمكن تقدير التعبير عن التاريخ وتفسيره، غير أن الفهم التاريخي الذي يرى أن كل مرحلة من مراحل التاريخ أفضل من سابقتها فهم مرفوض تماما.

إن القرآن الذي لم يخطأ في أي موضوع على الإطلاق، لم يخطأ في هذا الموضوع أيضا. فالقرآن لا يتفق والفهم التقدمي الخطي للتاريخ حيث يخبر أن المجتمعات السابقة كانت أكثر آثارا، وأشد قوة. من الممكن أن يوجد التقدم الخطي في إحدى مراحل التاريخ. فقد سجل التقدم العلمي الذي بدأ في القرن 16، تطورا خطيا حتى القرن 20 في واقع الأمر. لكن تعميم هذا التقدم على التاريخ وعلى كل موضوع خطأ كبير. يبدو هيجل الذي عاش في بداية القرن 19، وكأنه سحر بالتقدم الذي حدث منذ القرن 16 وحتى عصره هو!

إن المصائب التي مهد هذا الفهم التاريخي الطريق إليها، كثيرة بقدر يعجز عن توقعه من لا يدرسون هذا الموضوع دراسة جيدة. والشيوعية هي أوضح مثال في هذا الموضوع. لقد تسبب ماركس Marks الذي استقى من هيجل هذا الفهم الخاطىء للتاريخ، في موت ملايين الناس، ودخول العالم في مرحلة الحروب الباردة والساخنة. ولهذا الفهم للتاريخ النابع من هيجل دور كبير جدا في أفكار ماركس. وبالرغم من تقييم هيجل التاريخ من زاوية ما وراء الطبيعة، فقد نظر ماركس إلى التاريخ نظرة مادية بحتة، وأطلق على أفكاره اسم المادية التاريخية.

نظرة الشيوعية إلى التاريخ

كان ماركس يزعم أنه حل القواعد العلمية للتاريخ. وكانت العبارة التي رددها الماركسيون كثيرا هي عبارة” إن التاريخ يقف بجانبنا”. وهذه النظرة إلى التاريخ نظرة خطية تقدمية أيضا.( إن ما أكد عليه ماركس في الاقتصاد ووسائل الإنتاج، يحتل مكانا مهما في وجهة نظره) وترى هذه الوجهة من النظر أن المجتمع سوف يمر بالترتيب بالمرحلة الإقطاعية، ثم الرأسمالية، ثم الاشتراكية، ثم الشيوعية. وترى هذه النظرة التاريخية أن كل واحدة من المراحل التالية تكون أكثر تقدما، وأقيم من سابقتها. وعلى هذا كان الشيوعيون أكثر حداثة حتى من أصحاب الحداثة أنفسهم. لأنهم منذ البداية يعيشون الشيوعية أرقى وأخر مراحل التاريخ. بالإضافة إلى أن هذه كانت تمثل وجهة نظر التاريخ العلمية. أي أن معارضي الشيوعية يخرجون خارج حدود العلم. ولقد صار انهيار الشيوعية، إفلاسا للمفهم التاريخي العلمي للماركسيين، لأن تقدم التاريخ دائما حسبما يرون، أي إتباعه للشيوعية كان أمرا لا مفر منه. لقد أفلس الفهم التقدمي، التطوري للتاريخ من ناحية الشيوعية، غير أن معظم الكتب الدراسية في عصرنا الحالي لا تزال تقع تحت تأثير هذا الفهم التاريخي التقدمي الخطي منطقها الأساسي.

وليس هناك أي كشف علمي على الإطلاق يدعم صدق الأفكار التي تزعم أن البشر الذين يظهرون في قسم من الكتب الدراسية قد عاشوا في البداية على أنهم بدائيون، ورجال كهوف يكسوهم الشعر. ويعترف أنجلس Engels الذي يعتبر من مؤسسي الشيوعية هو وماركس بهذا الوضع في كتبه أيضا؛ ولكن حين يتم التسليم بوجود البشر صدفة، فإن هذا يعني القول بضرورة قبول هذه المراحل التاريخية بشكل اضطراري. أي أن الحكايات التي تقدم البشر الأوائل على أنهم لا يعرفون اللغة، وأنهم لم يكتشفوا النار، وكذلك تلك التصورات الخاصة بالبشر كثيفي الشعر، الذين يشبهون القردة في حركاتهم كلها زائفة، ومن نتاج الخيال، ولا تستند إلى أي بيانات علمية. وليس هناك أيضا أي كشف علمي حول أن الناس كانوا صيادين وجَمعة في أول الأمر، ثم تعلموا الزراعة. غير أن حرفة الصيد والجمع أبسط أشكال التغذية قد أعلنت على أنها أولى مراحل البشرية بشكل لا فكاك عنه حيث قبل التاريخ ذو التكوين التقدمي الخطي على أنه اعتقاد. [ ص 222] والشروح التي تقسم تاريخ البشرية وفقا لسنوات معينة على نحو العصر الحجري…الخ محرومة من السند العلمي. وفي أي وقت يتم إعداد ترتيب كهذا للعصور بالنسبة للبشرية، فإن الآلات المتطورة بشكل يقلب هذا الترتيب رأسا على عقب، والخامات توجد في تلك السنوات التي تستدعي عدم وجودها، غير أن من يأنفون تصحيح هذه الكتب الدراسية، لا يزالون يعلمون الأطفال هذه التصنيفات التاريخية الخاطئة.

الأهرام، وسكان الفضاء والإبر الصينية

يري الفهم التاريخي الخطي التقدمي أن كل مرحلة من مراحل تاريخ البشرية أفضل من سابقتها. ولقد استقرت تلك الرؤية الخاطئة بدرجة قوية في أذهان قسم مهم من البشرية حتى إنه عندما تم اكتشاف الخصائص العالية في البناء المعماري للأهرام تعذر على من يؤمنون بهذه الرؤية فهم كيفية حدوث هذا. ولهذا السبب فإنكم جميعا سمعتم في الغالب سؤال:” هل بني سكان الفضاء الأهرام؟”، إن هرم خوفو الأكبر، مثلا، والذي يصل حجمه إلى 2.515.000 م3، وارتفاعه 147 مترا، وطول قاعدته 230 متر يمتاز بتصميم خاص جدا. وإن رفع ست ملايين حجر، ونقلها، وتكويمها وضفرها مع بعضها البعض بشكل يتحدى عصورا من الزمان من أجل إكمال هذا البناء أمر يتطلب قوة ومهارة لا تصدق. وهذا يعني أن الأذهان التي تشكلت وفقا للفهم التاريخي الخاطئ تخفق حتى في القيام باستنتاج بسيط على نحو” إن المصريين تقدموا جدا في الهندسة المعمارية”. في حين أنه من اليسير جدا أن يستنتج ذلك من يقرءون الآيات القرآنية التي تخبر بأنه تم بناء الكثير جدا من الأبنية المعمارية، وتكوين الآثار في العصور السابقة على نزول القرآن تفوق ما أنجز في العديد من العصور التي أعقبت ذلك. وتلك آية أخرى تشير إلى هذا:

” كَانُوا أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةً وَأَثَارُوا الۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَا أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا”

30 – سورة الروم؛ الآية 9

ويبرز نظام العلاج بالإبر الصينية الذي تم تطويره في الصين، أنهم على دراية بالعلوم التشريحية بشكل أكثر تفصيلا مما حسبناه نحن لدى البشر في أي مرحلة من مراحل التاريخ، وأي مكان في العالم. إذ يمكن اختراع نظام العلاج بالإبر الصينية فقط عن طريق معرفة الجهاز العصبي الموجود في الجسم، وتوزيع الكهرباء في الجسم. ولابد من أجل هذا أيضا من توفر معلومات تفصيلية بشأن النظام العصبي الموجود في الجسم إلى جانب الوضع المعروف للأعضاء. ولا يستطيع أي إنسان يؤمن بالبنية التطورية، النشوئية، الخطية في كل مجالات التاريخ، أن يستنتج أن” الصينيين كانوا أكثر تقدما ومعرفة منا في علم التشريح…” ونتيجة لهذا فإن أمثال إيريك فون دانيين Eric Von Daniken لن يتوانوا عن إلصاق هذا الاختراع بسكان الفضاء.

وكما أسلفنا القول؛ فإن السعي إلى فهم التاريخ، والتعبير عنه مسلك جدير بالتقدير. غير أن محاولة تفسير كل المراحل التاريخية وجميع المناطق بالفهم التقدمي الخطي، خطأ كبير وشائع. ولقد صار هذا الفهم للتاريخ مصدرا لآراء من لا يعتدون بشخصيات الناس. ومن المعروف أن الأقسام اليمينية من هذه الآراء التي تقدس الدولة قد مهدت الطريق لظهور الفاشية، بينما مهدت اليسارية منها الطريق لظهور الشيوعية. إن وجهة النظر هذه التي تجعل الدولة تقتل شخصية الإنسان، ولا ترى الدولة في خدمة الإنسان، أو أنها بناء من إنتاج الإنسان، بل تراه خادما للدولة، وعنصرا منخرط في داخل الدولة تسببت في حدوث العديد من الآلام التي عانتها البشرية. وربما يعتقد من لا يتابعون تطور فلسفة التاريخ أن كلامي هذا مبالغ فيه. غير أننا إذا ما درسنا هذه المسيرة التي بدأت مع هيجل، نرى أن هذه الوجهة من النظر قد تسببت في ظهور هتلر في جناح اليمين، وظهور ماركس في جناح اليسار. ويتقدم التاريخ في هذه الوجهة نحو هدف معين لا مفر منه. ولا تأثير للأفعال التي أحدثها البشر أصحاب هذا الفهم، لا في سير التاريخ في خط تقدمي ولا في سيره في خط تراجعي إلى الوراء. فالدولة هي التي تتحمل الدور في التاريخ وهي آخر ملاذ تسير إليه. وعنصر الإنسان مفقود في هذا الشرح.

في حين يذكر القرآن أن ما قام به البشر من أفعال لعب دوره في فناء المجتمعات، كما فني العديد من المجتمعات بسبب الأفعال السيئة لأعضائه، قد اندثرت الأعمال الفائقة. هذا الوجهة، هي وجهة رأي تنقذ الإنسان من كونه مجرد ورقة في مهب العاصفة التاريخية.

ومن الصواب أن البشرية سارت قدما في مراحل معينة من التاريخ، وأنها تتبعت خطا تقدميا، خطيا. غير أنه من الخطأ تعميم هذه الفكرة على التاريخ كله. وكما أسلفنا القول ربما يكون هذا الحكم صحيحا بالنسبة للفترة ما بين القرنين 16- 20، غير أننا إذا ما طبقنا هذا المنطق على شريحة من التاريخ تبلغ2- 3 آلاف سنة نكون قد ارتكبنا خطأ جسيما جدا. فضلا عن أنه من الخطأ أيضا إظهار كل منطقة في العالم وكأنها لم تتبع نفس مراحل التقدم. إن تعميم قول ما على البشرية كلها مثل” إن العصر الفلاني كذا قبل الميلاد كان العصر الحجري كذا…” وهم من الأوهام. إن العديد من الأسباب مثل الفروق الكبيرة بين المجتمعات الموجودة في عصر واحد، ونقص التواصل، وعدم التسليم بأن تطور المجتمع حدث في كل مكان في العالم لأسباب سياسية وثقافية، حال دون أن تتساوى كل منطقة في العالم في التقدم، في نفس المرحلة الزمنية. ولنفرض أن ألف سنة مرت على القرن الذي نعيش فيه، وأنه ثمة أحكام بشأن عصرنا تم طرحها بواسطة التنقيب الصرف عن الآثار:[ ص 224] ولنفكر أن من عثر على الاكتشافات في مدينة نيويورك بأمريكا وكذلك من عثر على الاكتشافات في أفريقيا قام بتعميمها. وبينما يزعم أحدهما أنه ذهب إلى العصر الحجري الفلاني من تاريخ البشرية، يقول الآخر إن البشرية وصلت مستوى متقدما جدا من التقنية. فضلا عن خطأ وضع كل من: التواصل بين الناس، والفن، والطب، والهندسة، والعمارة، والأخلاق، والمنتجات المختلفة في مجال الزراعة في نفس الكفة. ينبغي ألا تشمل فكرة التطور في مجال معين، جميع المجالات. ولهذا السبب تتقدم البشرية في بعض المواضيع، وتتراجع في بعض آخر بينما يتقدم التاريخ.

والحل يتمثل في تناول كل نتاج بشري على حدة بمفهوم تحليلي، وتقييمه كل بمفرده، والتخلص من التعميم وفكرة التيسير للنظريات التاريخية الخطية، التقدمية، التطورية.

الوضعية والأديان

الدين أكثر المجالات التي أتى فيها الفهم التاريخي الخطي، التقدمي بتصريحات تحتاج إلى التصويب. ويعد أغوست كوم Auguste Comte أهم نموذج في هذا المجال. فهو مؤسس الوضعية وقد عاش ما بين عامي 1798- 1857.( إن الوضعية النظام الفلسفي لأغوست كوم، لا علاقة لها بالتفكير الإيجابي المعروف بالتفكير الموضوعي. ونحن نستخدم هذا الاسم بالنسبة لنظام أغوست كليا.)

لقد قسم كوم التاريخ إلى مراحل مختلفة وقال إن الإنسانية حين تمر بجميع هذه المراحل سوف تصل في نهايتها إلى الوضعية التي تحدث هو عنها على أنها نظام فلسفي. وهذه المراحل على النحو التالي حسب ترتيبها: 1- المرحلة اللاهوتية 2- المرحلة الغيبية 3- المرحلة الوضعية. ويقول كوم إن المرحلة اللاهوتية بدأ بالوثنية، ثم استمرت بتعدد الآلهة، ووصلت في النهاية إلى فكرة الإله الواحد. وهناك سعي إلى إحلال العلم محل الدين في مرحلة الوضعية التي وصفها كوم على بأنها المرحلة الأخيرة. ويستخدم كوم شروحه هذه من أجل الحكم على جميع الأديان، والأنظمة الفلسفية السابقة على نظامه الوضعي. وهكذا تقدم الأنظمة الأخرى على أنها” أنظمة المراحل التاريخية البدائية”، أما نظامه هو” فهو المرحلة الأخيرة، والأكمل”. وينهض كوم الذي لا يتراجع إلى تأسيس دين وضعي. [ ص 225] ويقدم هذا الدين المقلد للمسيحية؛ ذا المنظمة الكنسية الواسعة، والمعابد الوضعية، والقساوسة الوضعيين، المزين بتماثيل كلودي دي فيوس Clotilde De Veux محبوبته، وتقويمه الجديد على أنه الدين المثالي بالنسبة للبشرية. ولو لم يكن لكوم دوره المهم في الإلحاد المستمر حتى يومنا، لما خصصنا مكانا قط لهذه التفاصيل التي لا تستحق ولو حتى الحصر!

وليست هناك أية وثيقة أو كشف علمي على الإطلاق يدعم محاولة كوم التي تتمثل في إظهار جميع الأديان التي تؤمن بإله واحد على أنها مجرد مرحلة معينة من مراحل التاريخ. بل على العكس من ذلك تماما فالإيمان بالله الواحد موجود في أقدم الوثائق المكتوبة المعروفة مثل أقراص أبلاEbla. في حين أن آراء كوم التي لا تمتلك أي سند على الإطلاق، تزال تدرس في العديد من الكتب الدراسية وكأنها حقيقة علمية. إن الإيمان بالله الواحد موجود في كل مراحل التاريخ. غير أن هناك من كفروا بالإيمان بالله الواحد فعبدوا القمر أحيانا، ومن عبدوا الشمس أخرى، ومن اعتقدوا الشيوعية أحيانا، ومن دانوا بالوضعية أخرى. وتتحول جميع الأفكار الأخرى إلى وريقات في التاريخ، وتظهر في إحدى فترات التاريخ، لكن الإيمان بالله الواحد موجود أبدا في جميع مراحل التاريخ.

إن العاجزين عن ترتيب الأديان بواسطة استنتاجات الحفريات، اقترحوا المنهج التالي كي يتمكنوا من إجراء هذا الترتيب؛ حيث قالوا:” علينا أن نعثر على أكثر قبيلة في العالم بدائية، وأيا كانت تلك القبيلة الأكثر بدائية كان دينها هو أقدم دين. إن هذه القبيلة حمت نفسها بالانعزال والانزواء.” وقد رأى قسم ممن يتبعون هذا المنهج الذي لا يستند إلى حقيقة علمية، أن أكثر قوم بدائية هم أولئك الذين يعبدون الظواهر الطبيعية، وأن دينهم هذا هو أقدم الأديان. أما من يسلمون بأن الأقزام الذين يعبدون إلها واحدا أكثر قبيلة بدائية، فإنهم يدافعون عن كون عقيدة الإيمان بإله واحد هي أقدم دين.( إن النتائج التي تم التوصل إليها باستخدام هذا المنهج مختلفة كما هو واضح.)

ومن الجدير دراسة نظريات كل من أندرو لانج Andrew Lang السويسري والأماني ب. و. سميد P. W. Schmidt بشأن الأديان التي تعتمد على دراسات أكثر جدية وشروح أوسع في مواجهة تضاربات كوم السطحية. إن معظم أديان العالم هي الأشكال المتحللة، المنحرفة للإيمان بالله الواحد كما ترى هذه النظرية التي سميت في البداية باسم Monotizma. ويرى سميد أن تأليه قوى الطبيعة الذي وقع في البداية أمر لا معنى له، ولأنه لا بد من وجود مفهوم” الإله” لدى البشر منذ البداية كي تأله قوى الطبيعة. ويرى أن السبب في انحراف الأديان التي تؤمن بالله الواحد وظهور الأديان المتعددة الآلهة، هو تحويل البشر التشبيهات التي قاموا بها إلى مماثلات مع الزمان. وقد حول بعض الناس مع مرور الزمن تشبيهات مثل” الإله خالق، يشبه أمي”، و” الإله مصدر كل شيء، فهو يشبه الأرض”، إلى تأليه قوى الطبيعة مثل الآلهة الأم، والآلهة الأرض. قال سميد إن حماية مفهوم الإله الأول والأعلى في جميع الأديان المتعددة الآلهة دليل أيضا على أن الأديان المتعددة الآلهة هي الشكل المحرف من أديان التوحيد. إن الخصائص المشتركة الموجودة في جميع الأديان بدءا من اللوحات السومرية، والأساطير المصرية وحتى الأديان التي تؤمن بالله، تدعم اشتراكها في المصدر، وأن ما صدر عن هذا المصدر تعرض لعملية من الانحراف والفساد لأسباب متنوعة.

ويتبين أن الحكاية المنطقية لسميد تفوق كوم بكثير. ولا يمكن الحديث عن وجود حكاية منطقية حقيقية لدى كوم بجانب زعمه أن مرحلته الوضعية هي المرحلة الأخيرة. وعلى كل حال، ليس من الممكن معرفة أي الأديان كان الأول بواسطة المكتشفات المكتوبة فحسب. ولكن، وكما أسلفنا القول من قبل، فإن أقدم المصادر المكتوية مثل كتابات أبلا، وأقدم مراحل التاريخ المعروفة كلها على حد سواء تظهر أن عقيدة الله الواحد موجودة دائما في كل زمان. ولقد تم العثور على علامات الإيمان بالله الواحد في أقراص أبلا الباقية عن عام ثلاثة آلاف قبل الميلاد التي عثر عليها في عام 1975. كما أن هذه الأقراص التي ورد فيها ذكر أسماء آدم، وحواء، ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وميكائيل وداود الذين تحدثت عنهم التوراة، والإنجيل والقرآن، صارت وثائق تدعم حقيقة الصدق التاريخي للشخصيات التي تحدثت عنها أديان التوحيد، وأن أديان التوحيد وجدت في كل مراحل التاريخ. وهذا أيضا يكشف عن لوحة متوافقة مع الآيات القرآنية التي تخبر أنه تم إرسال الرسل بشكل دائم.

” وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ”

10- سورة يونس؛ الآية 47

Leave a Comment