Wednesday 24 April 2019

المياه الجوفية ودورة الماء

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, التركية

” أَلَمۡ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الۡأَرۡضِ ”

39- سورة الزمر؛ الآية 21

تمنحنا الآيات الواردة في القرآن والتي تتعلق بنزول المطر ومكانة المياه في حياتنا المعلومات الصحيحة جدا. ولو أننا عشنا في فترة أخرى من فترات التاريخ ربما نعجز عن فهم هذه المعلومات بيسر بهذا القدر. ونحن نستطيع فهم المعلومات المتعلقة بالماء الواردة في آيات القرآن لأنه تم في عصرنا الحالي الكشف بشكل مفصل عن كيفية عمل دورة الماء الموجود في الدنيا. وحين نقارن ما بين المعلومات القديمة بشأن المياه وآيات القرآن، ندرك أن القرآن قدم المعلومات الأصوب أيضا بخصوص المياه- تماما كما يحدث في كل موضوع- دون أن يتضمن أيا من معلومات العصر القديم الخاطئة.

ولنتناول على سبيل المثال الآية( 39- سورة الزمر؛ الآية 21) القرآنية التي تقول إن المياه الجوفية تكونت نتيجة الأمطار. تُرى هل كانت تعرف- بوضوح إلى هذا الحد- في كل عصر تلك المعلومة التي وصلتنا غاية في الوضوح في واقع الأمر؟ إننا سوف نتحير على أية حال حين نقرأ المعلومات التي قدمها كل من: ج. جستانيG.Castany و ب. بلافوكس B.Blavoux الخبيران اللذان كتبا مادة” علم الماء” في الموسوعة العالمية.

” يرى ميلتلي ثايلز Miletli Thales أن ماء المحيط الذي يتفجر في الهواء بفعل ضغط الرياح التي تهب في أعماق اليابسة كان يسقط على الأرض، ويتخلل التراب على هذا النحو. وكان أفلاطون يتقاسمه هذه الآراء أيضا ويعتقد أن عودة الماء إلى المحيط مرة أخرى تتم عن طريقة دوامة عظيمة جدا. أما أرسطو فقد كان يرى أن بخار الماء المتصاعد من الأرض يكون البحيرات الجوفية حيث يتكاثف في تجاويف الجبال الباردة، وأن ينابيع المياه تتغذى من هذه البحيرات أيضا. وكان أول كشف بيّن يتعلق بدورة المياه الدائمة خاص ببرنارد باليسي Bernard Palissy في عام 1580، حيث يرى” أن المياه الجوفية تتكون نتيجة تسرب المطر إلى التراب.”

وكانت وجهة نظر أرسطو هي السائدة في العصور الوسطى. حيث تغذى البحيرات الجوفية ينابيع الماء وفقا لوجهة النظر الخاطئة هذه. أما ر. ريمنيراس R.Remenieras وهو كاتب آخر لمادة” علم الماء” في الموسوعة العالمية؛ فإنه يطرح هذه المعلومات قائلا:” لا بد للمفاهيم الفلسفية الخالصة في مجال الظواهر الطبيعية المتعلقة بالمياه من انتظار عصر النهضة فحسب حتى تترك مكانها للدراسات التي تعتمد على المشاهدة المحايدة. ويعارض ليونارد دي فينشي Leonard de Vinci(14521519) في عصر النهضة مزاعم أرسطو. ويوضح برنارد باليسي في كتابه المسمى( أحاديث جميلة جدا بخصوص خصائص المياه والينابيع الطبيعية والصناعية)( باريس 1570) حقيقة دورة المياه الدائمة وتغذي ينابيع الماء بالمطر.”

وتكتشف في أوروبا في القرن 16 فحسب تلك المعلومة الخاصة بتكوين الأمطار للمصادر الجوفية والتي صُرح بها في القرآن بوضوح في القرن 7، وينتقدُ أرسطو. لقد أخطأ أشهر الفلاسفة مثل ثالس سابقا، وأفلاطون، وأرسطو فيما ساقوا من شروح تتعلق بالمياه. في حين لم يخطئ محمد رجل الصحراء الذي لم يدع أي شيء قط لا في الفلسفة، ولا في البحوث العلمية، والذي قال أنه يبلغ الناس وحي الله فحسب، وصرح بالمعلومة الصحيحة دون أن يخلطها بأي خطأ على الإطلاق.

” قُلۡ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدًى وَرَحۡمَةٌ لِّقَوۡمٍ يُؤۡمِنُونَ ”

7- سورة الأعراف؛ الآية 203

عذوبة ماء المطر

” أَفَرَأَيۡتُمُ الۡمَاء الَّذِي تَشۡرَبُونَ♦ أَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ الۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ الۡمُنزِلُونَ♦ لَوۡ نَشَاء جَعَلۡنَاهُ أُجَاجًا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ♦”

56- سورة الواقعة؛ الآيات 68-70

لقد دبر الله أدق التفاصيل المتعلقة بدورة الماء بكل أنواعها بشكل مثالي جدا. وتؤكد القواعد الطبيعية وكيمياء الماء خطط النظام الإلهي الدقيقة. كما أن عذوبة ماء المطر، التي جذب الانتباه إليها في الآية المذكورة أعلاه، تحدث نتيجة تدبير الله المعجز أيضا. لقد رأينا أن تبخر المياه هو مصدر المطر. ويتكون أكثر من 90% من هذا الماء المتبخر من المحيطات والبحار المالحة المياه. لقد أحكمت القوانين المتعلقة بتبخر الماء على ذلك النحو بحيث أن الماء ينقى ويتخلص من الطين، والملح، والأوساخ حين يتبخر من أكثر البحار وسخا، وأكثر المحيطات ملوحة، وأكثر المياه وحلا. ولهذا السبب فإننا لا نستطيع شرب مياه المحيطات، والبحار ولكننا نستطيع شرب الماء الموجود في الينابيع التي تتكون نتيجة نزول بخار المار في صورة المطر. لقد لفت الانتباه في القرآن إلى تنقية الماء، وعملية نزوله مطرا من السماء وقيل” وَأَنزَلۡنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا “(25- سورة الفرقان؛ الآية 48). ولقد ذكر في القرآن أن الماء ظهر في مرحلة تالية عند تكون الأرض. وهو ما تعبر عنه آية:

” أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَاءهَا وَمَرۡعَاهَا”

79- سورة النازعات؛ الآية 31

لم تكن المراحل الأولى في خلق الدنيا معروفة في عصر نزول القرآن. ولهذا السبب كان التصريح بأن ظهور الماء على سطح الأرض مرحلة تالية في مراحل خلق الدنيا يمثل معجزة من المعجزات. لقد كانت أرضنا حارة جدا في أول عهدها. وبينما كانت العناصر الثقيلة مثل الحديد تنهار نحو المركز في أرضنا التي تبرد حرارتها تدريجيا؛ بقي خام الجرانيت والأكسيدات في الطبقات العليا. وتكونت طبقة رقيقة فوق سطح الأرض بسبب استمرار برودة الحرارة. وعندما برد سطح الأرض وانخفضت حرارته إلى أقل من 100 درجة طفا الماء الموجود في داخل الأرض إلى السطح وتكونت المحيطات والبحار. ويتفق طفو الماء هذا على سطح الأرض مع ما قصته الآية القرآنية.

خصائص الماء

إن نسبة المياه التي توجد على سطح الأرض مهمة للغاية بالنسبة لنا. ولو أن مساحة اليابسة كانت أكبر من مساحة البحار، لازدادت فروق درجة الحرارة ما بين الليل والنهار وتحول قسم مهم من الأقاليم الملائمة للحياة في الأرض إلى صحراء. إن تكون أكثر من 70% من الكرة الأرضية من الماء أمر ناتج عن نظام محكم.

ولو أن الماء حمل خاصية تفتيتية مثل بعض الأحماض بينما يبدأ في التفاعلات الكيميائية، أو أنه لم يدخل في أي تفاعلات قط مثل الأرغون؛ لما استطاع أن يؤدي وظائفه سواء أكانت في الكون أو تلك التي في أجسامنا. إن نشاط الماء في التفاعلات يتم بشكل يتوافق مع حياتنا الكاملة.

وكذلك فإن القواعد الكيميائية بالنسبة الماء الخاص جدا من أجل الحياة تعمل على نحو خاص جدا أيضا. وتنكمش جميع المواد المعروفة سواء أكانت سائلة أو كانت صلبة كلما بردت حرارتها. بحيث يكون حجم كل مادة حين تكون صلبة أقل منه حين تكون سائلة وأكثر كثافة أيضا. غير أن الماء خُلق يحمل خاصية تختلف عن جميع السوائل المعروفة. فهو ينكمش بينما يظهر نفس الخاصية مع المواد الأخرى إلى أن ينخفض إلى درجة حرارة 4 فوق الصفر. لكنه يبدأ في التباين مكونا حالة استثنائية بين جميع المواد المعروفة في الكون كلما بدأت حرارته في الانخفاض إلى درجة أقل من 4 درجات.( أي يزداد حجم الماء) ويتمدد الماء أكثر عندما يتجمد. ولهذا السبب فإن الماء المتجمد( الثلج) يسبح في الماء دون أن يغوص إلى العمق. بيد أن الوضع في جميع المواد المعروفة على العكس من هذا تماما، فالشكل الصلب من جميع المواد يغوص إلى العمق في إطار الأشكال الصلبة منها. وتتحقق الحياة التي في البحار في ظل القواعد الكيميائية التي تعمل بشكل استثنائي بالنسبة للماء. ولو كانت كثافة الثلج أكبر من كثافة الماء؛ لغاص الماء المتجمد في الأجواء الباردة في المحيطات، والبحيرات، والبحار نحو الأعماق على هيئة ثلج، وسرى التجمد نحو أعلى لعدم وجود طبقة ثلجية تمنع من البرودة في قسم السطح. ولو أن الأمر كان كذلك؛ لتحولت أعماق المحيطات، والبحار، والبحيرات إلى جبال من الثلج، وتسنى لقسم من أسطحها فحسب أن تتحول إلى ماء كلما ارتفعت درجة حرارة الهواء. وهذا يعني نهاية الحياة في البحار.

سلسلة متينة بقدر أضعف نقطة فيها

من الخصائص الكيميائية الأخرى للماء أنه خلق بشكل يجعل الحياة ممكنة. وإن حمل النباتات الماء الموجود في أعماق الأرض حتى أعلى نقطة فيها( علينا أن نتذكر أن هذه المسافة تصل إلى أمتار في الأشجار بصفة خاصة) يتم في ظل خصائص الماء الكيميائية. ولو أن كثافة الماء في السطح كانت في مستوى منخفض مثل مستوى باقي السوائل لما تمكنت النباتات من امتصاص الماء. ولو لم تتمكن النباتات من امتصاص الماء لما وجدت النباتات، ولا الحيوانات، ولا نحن أيضا.

لقد لفت الانتباه في كتابنا إلى العديد من المخلوقات التي هي شرط ضروري من أجل الحياة. ولو حدث مجرد اختلاف صغير في أي واحدة من آلاف المخلوقات بدءا من الإحكام الحساس جدا في سرعة انفجار النواة الأولى، وحتى بعدنا عن الشمس، والجو حتى أحزمة وان ألن، والحرارة التي على سطح الأرض وحتى الطبقات التي تحت الأرض؛ فإن هذا وضع تستحيل معه الحياة. وترتبط حياتنا في الغالب بالظواهر التي تشبه سلسلة بها آلاف الحلقات، كل حلقة من هذه السلسلة معقدة جدا، ومثالية جدا أيضا. هذه السلسلة متينة بقدر أضعف حلقة منها فحسب. ؛ ولو عمل كل شيء موجود في الكون، على سبيل المثال، بإتقان بشكل يجعل الحياة ممكنة، وأهملت نقطة تبدو وكأنها عادية جدا في خريطة الكون مثل كثافة الماء فحسب؛ لاستحالت حياتنا. كل هؤلاء أدلة تبرهن كيف أن خالقنا دبر كل شيء بإحكام، وأنه دائما على علم بكل شيء، ومتحكم في كل شيء.

Leave a Comment