Tuesday 11 December 2018

المضغة

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, الكردية, التركية

” ثمَّ خَلَقۡنَا النُّطۡفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقۡنَا الۡعَلَقَةَ مُضۡغَةً فَخَلَقۡنَا الۡمُضۡغَةَ عِظَامًا فَكَسَوۡنَا الۡعِظَامَ لَحۡمًا ثُمَّ أَنشَأۡنَاهُ خَلۡقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحۡسَنُ الۡخَالِقِينَ ”

23- سورة المؤمنون؛ الآية 14

يعرض القرآن معجزة أخرى من معجزاته حيث يذكر أننا مررنا بمرحلة” المضغة” بعد مرحلة” العلقة” التي قضيناها في رحم الأم، ويبدو الجنين، في حقيقة الأمر، مضغة نتيجة لأنه قطعة صغيرة جدا، وأن عظامه ستتكون فيما بعد. علاوة على ذلك، فإن الغريب في الأمر هو أن الجنين، كما سيتبين من الصورة، له شكل وكأن عليه آثار أسنان في مرحلة معينة قضاها في رحم الأم. ولهذا السبب فإن تصريح القرآن بأننا مررنا بمرحلة المضغة، تعبير معجز وصائب تماما.

إن تعبير” المضغة” يرد في الآية 5 من سورة الحج رقم 22 حيث يذكر أننا خلقنا” من قطعة لحم مضغة، جزء منها محدد، والأخر غامض”. حقا إن الجنين يتفق تمام التوافق في هذه المرحلة مع تعبير” جزء محدد، وآخر غامض” لأنه يمكن رؤيته بالعين، ولا يمكن رؤية معالمه الدقيقة لأنه في حجم لا يمكن من ذلك. ونظرا لأن قسما من أقسام جسم الإنسان المختلفة مثل الرأس، والجسد، والقدم، والأعضاء الداخلية بدأ يتحدد، وأن قسما منه غامضا فإن ورود تعبير” جزء محدد، وآخر غامض” هو أنسب تعبير عن هذه المرحلة.

وبشأن مرحلة المضغة التي تحدث عنها القرآن يقول الأستاذ الدكتور/ كيث ل. مور Keith L. Moore :” لقد علمنا مندهشين ما الذي أرادت الآيات المذكورة قوله حين درسنا الجنين في هذه الفترة. لأن هناك بنية تشبه شكل المسبحة تتكون على الجنين بينما لا يزال في عمر 28 يوما وهي تشبه تماما آثار الأسنان من حيث الشكل. ولقد قمنا بصنع نموذج من البلاستيك للجنين في تلك المرحلة وتركنا عليه آثار الأسنان حيث قمنا بمضغه. وكان المشهد الذي ظهر نتيجة لذلك يشبه بدرجة غير عادية الجنين في المرحلة التي درسناها وكان يكشف بشكل رائع عن سبب حديث القرآن عن جنين البشر على أنه مضغة.”

مضغة حين يجيء موعده

إن خلية واحدة هي التي تكون الأعضاء المختلفة، والأنسجة المتباينة كلما انفصلت وانقسمت. إن جسمنا الذي كان مضغة في إحدى مراحل خلقنا، سيكون، حين يحين موعده، إنسانا بكل أعضائه، وعضلاته، وهيكله العظمي، ومخه، وعينيه، وأذنيه. لنفكر في مرحلة المضغة هذه، في الوضع الأخير الذي أصبحت عليه الأعضاء الموجودة في جسمنا. وبهذه الطريقة يمكننا أن نرى مرة أخرى خلق الله الكامل.

سوف يأتي اليوم الذي تصبح فيه هذه المضغة قلبا. ذلك القلب الذي ينبض في اليوم الواحد متوسط 10.000 مرة. ودون أن ندرى قط، ودون أن نبذل أي جهد من أجل جعل القلب ينبض. ولا تختلط الدماء الفاسدة التي تصل إلى القلب مع الدماء النقية، ويتم توزيع الدم كما ينبغي على الجسم وبشكل مثالي. إن بطين القلب وأذينه من خوارق الخلق. كما أن تنظيم الدم بواسطة الأوردة والشرايين أمر في غاية الكمال والتعقيد أيضا يصلح موضوعا لمقالة تمتد عديدا من الصفحات…

سيأتي يوم تصبح فيه هذه المضغة كبدا. ذلك الكبد الذي له أكثر من 400 وظيفة. قطعة اللحم الصغيرة هذه، تعمل من أجلنا، دون أن ندري شيئا قط، ودون أن تتحير على الإطلاق طاقاتها الإنتاجية التي يعجز أي معمل في الدنيا القيام بها…

سوف يأتي يوم تصبح فيه هذه المضغة العضلات التي تحيط بجسمنا، حيث تتحقق كل حركاتنا في ظل وجود العضلات اعتبارا من تناول الطعام، وحتى الجري، والمشي، والجلوس، والضحك. فهي معقدة للغاية وتعمل مع شبكة تنظيمية كبيرة. فلا بد من عمل 17 عضلة في نفس اللحظة حتى من أجل الضحك الذي يبدو أبسط حركة…

مخنا، وأيدينا، وأرجلنا، وأمعائنا، وكلياتنا، ونظامنا التنفسي، ودمنا… كل هؤلاء يمرون بمرحلة المضغة هذه التي تحدثنا عنها في البداية. أما قبل ذلك فإنهم يمرون بمرحلة النطفة والمراحل الأخرى التي يمكن كشفها بواسطة المجهر فحسب. وفي النهاية، يخلق جسمنا الكامل الذي لن تكف الموسوعات المجلدة لشرحه. إن القرآن يدعونا لندرس كل هؤلاء، ونفكر حول عمليات الخلق هذه. إن الآيات القرآنية المتعلقة بالعبادة مهمة أيضا وقد جرى حولها الكثير من النقاش. غير أنه رغم أن الآيات القرآنية المتعلقة بالتفكر، والتدبر، أكثر بكثير من الآيات المتعلقة بالعبادات الشكلية، إلا أنها حظيت بأقل قدر من التفكير، ووضعت موضع الدراسة بشكل أقل.

” يَا أَيُّهَا الۡإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الۡكَرِيمِ ♦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ♦ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ ♦”

82- سورة الانفطار؛ الآيات 6-8

Leave a Comment