Wednesday 21 August 2019

المرحلة الغازية للكون

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, الكردية, التركية

” ثُمَّ اسۡتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ اِئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهًا قَالَتَا أَتَيۡنَا طَائِعِينَ ”

41- سورة فصلت؛ الآية 11

قبل أن ننتقل إلى هذا التعبير القرآني المعجز، علينا أن نوضح نقطة أو نقطتين فيما يتعلق بترجمة معاني الآية. إن الكلمة التي ترجمناها في بداية الآية على نحو” bir de” هي المقابل للكلمة العربية” ثم”. وكما أن هذه الكلمة تعني” bir de”، و” öte yandan”، فإنها تأتي أيضا بمعنى” sonradan”، و” daha sonra”. ولقد رأينا أن مدلول كل من كلمتي” bir de”، و” öte yandan” أكثر ملائمة للمعني من ناحية تتابع الآية، وترجمناها على هذا النحو. أما المرادف العربي للكلمة الواردة في الآية والتي ترجمناها( duman/ الدخان، gaz/ الغاز) فهو كلمة” دخان”، وهو يتكون بشكل عام من وحدات صغيرة في الهواء قليلا جدا، ومعها أحد المواد الغازية الهيئة. ويتبين من هذه الآية أن الكون تحول من مرحلة كان فيها غازا، كما تحول كل من السماء والأرض إلى مرحلة أخرى بحيث أخذ كل منها الشكل الحالي.

ومن المعروف أن العالم، والشمس، والنجوم لم تتكون بعد الانفجار العظيم مباشرة. فلقد كان الكون على هيئة سحابة غازية قبل أن يتكون أي نجم على الإطلاق. ويمثل الهيدروجين المادة الأساسية لهذه السحابة الغازية. أما الهليوم فقد كان المادة الأكثر وجودا بعده. ولقد شكل الكواكب والنجوم ما تكون فيما بعد من ضغط وتكثيف في هذه السحابة الغازية.

وكان كل من عالمنا، وشمسنا، والنجوم التي نراها ليلا مجموعة منبثقة عن السحابة الغازية بشكل دائم. وما تسنى لنا اكتشاف هؤلاء في العصر الحالي، إلا نتيجة وجود العديد من الاختراعات، والرصد، والدراسات المعملية. ومن جانب آخر فإن مجموع العلوم البشرية كلها في عصر الرسول محمد الذي تعرض للسب، ومحاولة قتله بالسيوف من جانب آخر، والذي ينادي في نفس الوقت بضرورة الإيمان بالله وعدم الشرك به، لم يكن كافيا ولا المشاهدات الشخصية أيضا كانت كافية للتصريح بأن الكون كان غازا من قبل. فكان ما قاله النبي محمد في واقع الأمر، إبلاغا منه عن خالق الكون، ولم يكن من عنده.

” تِلۡكَ مِنۡ أَنبَاء الۡغَيۡبِ نُوحِيهَا إِلَيۡكَ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَذَا فَاصۡبِرۡ إِنَّ الۡعَاقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ”

11- سورة هود؛ الآية 49

الغازات المتطايرة سوف تتحول يوما ما إلى أشجار المنغوليا

نرى أنه لم يتم التصريح بالمعجزات العلمية للقرآن لمجرد أن تكون هناك معجزة فحسب، أو ليتبين يوما ما صدق ما أبلغ به القرآن. أجل، يتأكد في ظل كل هذه المعجزات أن القرآن منزل من عند الله، وأنه ليس ثمة كتاب على الإطلاق يمكنه أن يتحدى القرآن. والآيات الآيات التي تكون المعجزة تقدم في نفس الوقت المعلومات المهمة للغاية، كما تجذب الانتباه إلى الدقة والخوارق الموجودة في خلق الله.

وليس ثمة آية واحدة من القرآن على الإطلاق تقول” يوما ما سيصبح بوش رئيسا لأمريكا، وابنه كذلك…” فالنقطة المهمة الوحيدة ليست فحسب هي إخبار القرآن على نحو معجز بمعلومة ما كان لها أن تعرف في العصر الذي نزل فيه. إذ تقدم هذه الإفادة أيضا في نفس الوقت المعلومات المهمة للبشر.

وإذا ما تناولنا هذه الآية( 41- فصلت؛ الآية 1) كنموذج، كان إخبار القرآن قبل 1400 سنة بأن الكون كان في حالة غازية سابقا، معجزة من المعجزات. غير أن تحرر الكون من أن يظل غازيا في مناخ كونت فيه المادة عن طريق الانفجار الكون المتمدد باستمرار، وكذلك تكون النجوم، والكواكب، والبشر، وأشجار المنغوليا من هذا الغاز في إطار النواميس التي وضعها الله في المادة، هي أيضا معجزة خلق الله. أي أنه عند النظر إلى معجزات القرآن، لا بد أن نفكر في الإعجاز الذي يتسم به التصريح بهذه المعجزات بالنظر إلى المستوى المعرفي لتلك السنوات التي ذكرت فيها هذه المعجزات، وأن لا نتغاضى كذلك عن المعاني الكامنة في الأسلوب التي تعبر به هذه الآيات.

النواميس التي تعمل على أكمل وجه

نلاحظ أن نواميس الخلق قد أعملت بشكل دقيق للغاية عند خلق النجوم بضغط السحابة الغازية. حيث تنكمش السحابة الغازية في ظل قوة الجاذبية، وتخلق النجوم. ويجرى إعمال قوة الجاذبية هذه حتى تتكون النجوم، إلا أنها تؤدي وظيفتها حتى النهاية دون أن تحول النجم إلى فجوة. فما الشيء الذي يحرك جاذبية الأرض بدقة كهذه؟ ألا يكشف هذا المعيار، وهذا التوازن بشكل صريح عن وجود خالق على علم بكل شيء؟ ولقد خلقت نواميس الكون على نحو يسمح بتشكل النجوم أيضا. وهكذا، تتحقق مقاصد الخالق التي أرادها في الخلق. وليست قوة الجاذبية شيئا عاقلا، مدركا، حساسا حتى تتسبب في كل هذه الحوادث التامة. تُرىَ ما الذي كان يحدث لو لم يخلق الخالق قوة الجاذبية، وحاولت النجوم، والكواكب أن تربط القمر بسلاسل غليظة، وتثبته في مكانه، أي نوع من الإسراف، وأي نوع من القبح، وأي نوع من الفوضى كانت ستسود؟ كم حل الخالق الموقف حلا جميلا بخلقه قانون الجاذبية الأرضية. إن إسحاق نيوتن Isaac Newton (1642-1724) الذي يرى أن قانون الجاذبية الأرضية دستورا وضعه الله في الكون، هو أول من اكتشف الجاذبية الأرضية. بيد أنه أخفق والعديد من الفيزيائيين أيضا، في معرفة أن الكون مر بمرحلة غازية في أول الأمر. لا قبل القرآن، ولا بعد نزوله بألف سنة أيضا…

لقد طرحت بعد نيوتن فكرة تكوّن الشمس بسبب انطغاط سحابة غازية. ولقد زعم لابلاس Laplace على سبيل المثال، في كتابه الذي طبع عام 1796 بعنوان” شرح أنظمة الكون”؛ أن الشمس تكونت نتيجة انطغاط السحب الغازية، وأن الكون انفصل عن الشمس. بعد ذلك اعترض الفيزيائي الإنجليزي كليرك ماكسويل Clerk Maxwell بوجهات نظره الحسابية على نظرية انفصال الكون عن الأرض. وفي عام 1943 طور كل من: كل من ويزسوكر Weizsocker، ثم تر- هاار Ter-Haar، وتشانديوسخور Chandiosekhor، وكوبير Kuiper النظريات. ولقد شارك في هذه المناقشة أيضا كل من مونت ويلسونMount W’lson، والملاحظات التي تم إجراؤها بواسطة المجاهر في بالامار Palamar( وليس ثمة أي تصريح يرد في القرآن بشأن انفصال العالم عن الشمس من عدمه؟) وصار انفصال العالم عن الشمس أو عدمه موضع نقاش، إلا أنه لم تكن ثمة مناقشة قط بشأن أن الكون كان على غازيا فيما قبل. لقد خلق الله كلا من: الشمس التي تمدنا بالدفء، والمحيطات الزرقاء، والمدونات الموسيقية، ولذة الأطعمة أيضا من سحاب غازية تنفصل عن بعضها البعض سريعا.

” فَمَن شَاء ذَكَرَهُ”

80- سورة عبس؛ الآية 12

Leave a Comment