Wednesday 21 August 2019

اللغة والإنسان

This post is also available in: الإنجليزية, الألبانية, البوسنية, التركية

” وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓيِٕكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةًۖ قَالُوٓا۟ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ♦ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَـٰٓيِٕكَةِ فَقَالَ أَنۢبِئُونِي بِأَسۡمَآءِ هَـٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِينَ ♦ قَالُوا۟ سُبۡحَـٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ♦ قَالَ يَـٰٓـٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآيِٕهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآيِٕهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ♦”

2- سورة البقرة؛ الآية 30 -33

لقد درسنا في الأقسام السابقة على هذا القسم من كتبانا المعجزات التي أظهرها القرآن في مختلف المجالات العلمية مثل الطبيعة، والكيمياء، والأحياء، والطب، وعلوم طبقات الأرض. أما في هذا القسم وفي الأقسام الثلاثة التي تليه أيضا فسوف ندرس أهم مواضيع الفلسفة والإشارات القرآنية في هذا الصدد( علينا أن نبين مسبقا أنه ربما يصعب فهم هذه الأقسام الأربعة على من لم يهتموا بهذه المواضيع من قبل على الإطلاق.)

يرد في الآيات التي اقتبسناها من سورة البقرة الحديث عن خلق الله للإنسان الأول واستخلافه له في الأرض. ويشير الملائكة الذين لم يفهموا سبب خلق البشر، حيث طبيعتهم الملائمة لسفك الدماء، وإظهار الفساد، إلى مشكلة الشر هذه ويسألون الله عن السبب. ويؤكد الله أن له حكما في كل خلقه بينما يقول أولا إنه علام الغيوب. أما بعد ذلك فإن الله يكشف للملائكة عن طبيعة الإنسان العظيمة متحدثا عن قدرة الإنسان على استخدام اللغة.

إن الموضوع الذي سندرسه في هذا القسم من الكتاب، هو مدى أهمية قدرة الإنسان على استخدام اللغة. إن قدرة الإنسان على استخدام اللغة وطيدة العلاقة جدا بعظمته كمخلوق. إن فلسفة اللغة التي ظهرت في القرن العشرين وكذلك الاهتمام باللغة في هذا القرن أكثر من جميع المراحل أكد تمام التأكيد أنه لا قبل لوجودنا(نحن) (وما لنا نحن) بدون اللغة. قال برتراند روسيل Bertrand Russell في إحدى المرات إنه نظر حتى أعوام 1920 ( كان حينها في الأربعين من عمره وقد أنجز معظم الأبحاث الفلسفية التي جعلته في المقدمة) إلى اللغة على أنها ظاهرة شفافة، ورآها وسيلة يمكن استخدامها دون اهتمام بشكل خاص. أما الفيلسوف برين ماجي فهو يرى أن تلك النظرية لا تسري على الفلاسفة فحسب، بل على أشخاص مثل الروائيين، والشعراء، والمسرحيين أيضا. لقد صار الوعي الخالص في موضوع استخدام اللغة، إحدى الخصائص التي تطورت في القرن 20 في الأساس، وإحدى السمات الفكرية الواضحة لهذا العصر.

ولا يعني هذا التطور مجرد الاهتمام السطحي بالألفاظ فحسب، بل يشمل المعتقدات الواردة في المواضيع الأساسية أيضا. ولقد تبين، على سبيل المثال، أن القوة الفكرية المجردة التي حققتها اللغة، هي العامل الأهم في فهم جميع جوانب الحقيقة التي لا نعايشها مباشرة، وفي عملية التغلب بواسطتها، وفي تكويننا علاقاتنا مع بيئتنا. يؤمن الكثير جدا من الأشخاص أن تلك هي أهم صفة تميزنا عن الحيوانات. ولهذا السبب فإن العديد منهم يرون أننا نحقق ذواتنا بتعلم اللغة. وقد تعذرت معرفة أهمية اللغة بهذا القدر حتى العصور الأخيرة سواء على المستوى الإنساني بشكل عام، أو على المستوى الفردي كذلك.

لكن القرآن يصرح قبل 1400 سنة وبصفة خاصة أن الإنسان برغم كل مساوئه هذه، يمتلك هذه الخاصية الرفيعة ويجذب الانتباه إلى أهمية استخدام اللغة بالنسبة للبشر. ويعلمُ المهتمون بالفلسفة أن العديد من الأفكار الحديثة في الفلسفة يبنى على موروثات الماضي. وتظهر الأفكار الجديدة بخطئها وصوابها حيث يوجد مناخ من النقاش الفلسفي النشط. ومن المعروف أنه لم ينقل موروث فلسفي في العصر الذي عاش فيه الرسول والمنطقة التي وجد بها، وأن الفلسفة لم تحظ بالاهتمام وأنه لم يكن ثمة مناخ من النقاش الفلسفي أيضا. وهكذا فإن إشارة القرآن في عصر كهذا، إلى استخدام الإنسان للغة التي استطاع البشر إدراك أهميتها جيدا نتيجة موروث سنوات طويلة، تصريح مثير جدا. في حين أنه لم تكن ثمة دراسات لغوية ولا تعمق فلسفي في عصر نزول القرآن.

مراحل ويتجنستين WİTTGENSTEİN

إن استخدام اللغة وفهمها، خاصية تميز البشر عن الأشياء العادية والكائنات الحية الأخرى. ويشكل هذا أيضا جوهر حياتنا الداخلية. وهناك أهمية كبيرة للأسئلة التي طرحها لودويج ويتجنستين Ludwig Wittgenstein في فهم أهمية اللغة في تاريخ الفلسفة. لقد سأل ويتجنستين الأسئلة التي لم يرها العديد من الناس جديرة بالسؤال، مثله في ذلك مثل نيوتن Newton حين تساءل: لماذا لا تطير الكواكب وتذهب إلى جهات أخرى، ولماذا تسقط الأحجار حين تترك؟ ولكل من لوك Locke، وليبينز Leibniz فيما سبق دراساتهم في هذا الموضوع. بالإضافة إلى ذلك تشكل أبحاث كل من فريج Frege، وروسيل Russell أساس أبحاث ويتجنستين؛ غير أنه لم يتسن لأحد قبله في تاريخ الفلسفة على الإطلاق أن يضع” اللغة” في المركز.

حاول ويتجنستين إعداد تعريف للغة مثالية ترسم الدنيا في أثره المسمي” Tractacus / تخطيط العالم” الذي دونه في أولى مراحله. وهو يرى في أثره هذا أننا لو قمنا بحل الأقاويل المطروحة حول الدنيا، فإننا سنختزلها إلى الكلمات التي هي أسماء الأشياء، وأن العلاقة المقامة بين كلمات الجملة الصغيرة تقابل العلاقة الموجودة بين الأشياء في العالم. وبهذه الطريقة يمكن رسم عالم الجملة.

يظن ويتجنستين أنه حل جميع المشاكل الفلسفية في كتابه الأول. غير أنه يبدأ في السنوات التالية الشعور بعدم الراحة بسبب كتابه الأول هذا. وفي المرحلة الثانية من مراحل ويتجنستين تظهر اللغة على أنها أداة، بدلا من كونها وظيفة للرسم. وفي هذه المرحلة تكون اللغة ظاهرة ونشاطا اجتماعيا. إن الجانب المشترك بين المرحلة الأولى من مراحل ويتجنستين وهذه المرحلة المناقضة لها؛ أن اللغة لا تزال في المركز أيضا، وأنه يتم تناول الفلسفة في سياق فلسفة اللغة. إن ويتجنستين واحد من الفلاسفة الفريدين الذين جمعوا الكثير من المؤيدين حولهم بسبب مرحلتيه التي تناقض كل منهما الأخرى.

لقد رأى ويتجنستين في مرحلته الثانية أن اللغة يمكنها أن تعني أشياء أكثر بكثير مما حسبه في المرحلة الأولى. ونرى أن مهارات اللغة والنقاط التي تمكن من توصيلنا إليها أكثر مما حسبه هو في مرحلته هذه. وننوي إفساح مجال أكثر تفصيلا لهذا الموضوع في كتاب سنكتبه فيما بعد. إن هذه الأبحاث جديرة بالتقدير من حيث أنها تلفت الانتباه إلى أهمية اللغة التي هي هدية خاصة جدا من الله للبشرية.

وكما قال طومس هوب Thomas Hobbes في كتابه المسمى” Leviathan/ الوحش البحري”: ” إن أنبل وأنفع كشف في جميع الاكتشافات هو الأسماء أو التسميات والحديث الذي يتكون من ترابطها.”

كيف يتعلم الطفل الحديث؟

لقد انتهت أبحاث كل من فريج، وروسيل حول الفلسفة الرياضية بظهور الفلسفة اللغوية. وتم الانتقال من بحث” الصواب”، إلى بحث” المعنى”، ومن هناك إلى تحليل أساليب القص. ولقد كان لتصريحات نعوم تشوميسكس Noam Chomsky بشأن اللغة أثر القنبلة في سنوات 1950. وهو يرى أنه أيا كانت مستويات ذكاء الأفراد، فإنه يستحيل تفسير عمل صعب ومعقد على غير العادة مثل مهارة استخدام إحدى اللغات، وتمكنهم في سن الطفولة وفي زمان قصير جدا من تعلم تلك اللغة فيما بعد فحسب، ودون تلقي تعليم منظم من قبل في هذا الموضوع.

كان يعتقد فيما مضى أن اللغة سلسلة من التدريبات، والمهارات، وتعود الأفعال، وأن اللغة تكتسب بمراحل التدريب، والتجديد، والتعميم والتداعي. لكن تنبهوا ألا يمكن على الإطلاق ان يتعلم غالبية البشر لغة ما بمعنى منظم؟ وبتعبير آخر، إن معظم الآباء والأمهات لا يعلمون أطفالهم تعليما سابق الإعداد. وتتبين هذه النقطة لو أننا تذكرنا كيف أن الغالبية العظمى من جموع البشر الموجودين في العالم غير متعلمة. ولكن الأطفال الرضع يتعلمون اللغة أيضا.

ونرى أن نعوم تشومسكي محق تماما في هذا الموضوع. لقد خلق عقلنا بشكل جاهز لتعلم اللغة في مرحلة الطفولة التي نبدأ فيها التجاوب مع الدنيا. وكيفما خلقت أعيننا بشكل جاهز لرؤية الدنيا، خلق عقلنا أيضا بشكل جاهز لتعلم اللغة. وكما تبدأ العين الملتقية بالنور الرؤية، تبدأ الأذن واللسان الملتقيان مع اللغة تعلمها بتلقائية. وكما قال هومبولد Humboldt ” إن كل منا يكتسب إحدى المعارف في مرحلة الطفولة مثل” الاستخدام على نحو مطلق لوسيلة منتهية العدد”. حتى إن الأطفال الأقل ذكاء ينجحون في هذا( باستثناء بعض المرضى العقليين. فهم يعجزون عن تعلم اللغة كما يعجز الأعمى عن الرؤية)

ويشرح تشومسكي خلق العقل وفقا لتعلم اللغة وتواصله معها وتعلمه إياها بالنماذج التالية:” يمكننا أن نفكر في وضع العقل في البداية على أنه مجرد وظيفة، فإن من يؤكد على أن اللغة ظهرت على أنها معرفة اللغة عندما قدمت بيانات التجربة على أنها معطيات، يشبه عملية تأكيد أن العدد تسعة عندما قدم لوظيفة الجذر التربيعي بدا على أنه معطيات طرح ثلاثة.” وكما سيتضح من قول تشوميسكي؛ فإن العقل جاهز لتعلم اللغة كما أنه جاهز للقيام بما تقوم به الآلة الحاسبة. فالعقل يتعلم اللغة حين يلتقي بها، وتقدم وظيفة الجذر التربيعي للآلة الحاسبة التسعة أيضا حين تحتويها على أنها طرح ثلاثة. إن كل خاصية لا توجد في المعطيات، ويحملها الطرح، هي مهارة الوسيلة الوسيطة.

” خَلَقَ الۡإِنسَانَ ♦ عَلَّمَهُ الۡبَيَانَ ♦”

55- سورة الرحمن؛ الآيتان 3، 4

إن إدراكنا أننا نتحدث بفضل الإمكانيات التي منحنا الله إياها قبل الميلاد، دليل على أننا تعلمنا اللغة هبة من الله كما تعلمها آدم أول إنسان. فلنفكر جميعا في مرحلة طفولتنا. أي منا عزم على تعلم اللغة؟ أي منا سعى إلى تكوين خزينة لغوية، واستخدام الكلمات، والحديث؟ حسن، إذن كيف تتكون مهارة صعبة مثل تعلم اللغة، في أضعف مرحلة، وأجهلها بالرغم من عدم سعينا وعزمنا من أجل ذلك على الإطلاق؟ إن من يفكر مليا، يدرك أن هذه الإمكانية تتحقق في ظل المهارات التي منحنا الله إياها قبل الميلاد.

ماذا كان يحدث لو لم تكن اللغة؟

يكفينا لكي نعي قيمة اللغة أن نفكر” ماذا كان يحدث لو لم تكن اللغة؟” لو لم تكن اللغة، لاستحال تكوين البشر للدول، والمدن، والقرى بل وحتى العائلة. ولا يمكن للبشرية أن تنتج أيضا في وسط يستحيل فيه إقامة أية مؤسسة اجتماعية على الإطلاق. ولما وجدت نتيجة لذلك المنسوجات، والسيارات، والأدوات الزجاجية، والأقلام، والكراسات… ولا أي منها على الإطلاق.

بل إن إدراكنا مدى أهمية اللغة يتحقق بواسطة تعبيرات اللغة. ومن ذلك مثلا أن هذه المقالة التي تشرح أهمية اللغة تكونت نتيجة استخدام اللغة أيضا. إذن يتبين أنه يستحيل على البشر اختراع اللغة فيما بعد. لأن اختراع اللغة يتحقق بواسطة الإرادة، والتوجه فحسب. وإن كان العثور على أهمية اللغة يمكن بواسطة اللغة فحسب، فكيف يستطيع الناس في فترة لم تعرف فيها اللغة أن يقولوا” هيا بنا فلنخترع شيئا يسمى اللغة”؟ اللغة شيء اجتماعي، ولا قبل للمجتمع أن يتكون حيث لا تكون اللغة ذاتها موجودة!

إن تطوير اللغة أمر ممكن بالتأكيد. ولكن هذه اللغة تكون ممكنة بعد معرفتها بمستوى معين. مثل تنمية برعم موجود… وعدم وجود اللغة مطلقا يشبه عدم وجود البذرة حيث لا يمكن على الإطلاق الحصول على شجرة عندئذ. ولنفكر أنه تم اختراع كلمة من أجل أحد المفاهيم.( كيفما يكون!) هذه الكلمة محكوم عليها بالنسيان فورا لأنها لم تكوّن ظاهرة” اللغة” عند البشر. واختراع الكتابة مرحلة تتكون بعد اختراع اللغة. وليس من الممكن كذلك جمع الموروث المتوفر ونقله في ظل اختراع الكتابة، في وسط لا وجود فيه لمفهوم اللغة. ونظرا لأن أهمية معرفة اللغة لدى البشر لا يمكن فهمها دون معرفة اللغة ذاتها؛ فإنه يستحيل التفكير في أن تصبح الأصوات الصادرة للحظة ملكا للمجتمع وأن تحظى بالاستحسان المشترك. فاللغة وسيلة تستخدم استخداما مشتركا وبقبول من المجتمع. أما في وسط لا وجود للغة فيه، فإنه لا يمكن أن يتكون الوعي المجتمعي، حيث يتعذر تكوين العائلة أبسط بنية في المجتمع. ولا يتوقع اختراع اللغة بواسطة حركة اجتماعية في وسط لم يتكون فيه الوعي المجتمعي.

الإنسان أكثر الأحياء حاجة للرعاية منذ لحظة مولده. وهو يعيش سنوات طويلة في حاجة لأبويه. ولا قبل لتكون الأسرة في وسط لا وجود فيه للغة، حيث تتعذر إقامة الحوار. حتى ولو أقام البشر علاقات جنسية، فإن والد الطفل يكون مجهولا، بينما تكون أمه فحسب معروفة. ولا يبدو من الممكن كذلك أن يديم البشر العلاقة في الفترة ما بين تكوين العلاقة الجنسية والولادة في وسط لا وجود فيه للغة، برغم أن الفترة الزمنية بينهما تبلغ تسعة أشهر. بل إن هذه العلاقة نفسها تتم بفضل تفكيرنا بواسطة الكلمات. إضافة إلى ذلك يتعذر على البشر تكوين الأسر، وحصر العلاقة الجنسية بين الزوجين فحسب دون وجود اللغة. وفي مناخ على هذا النحو يستطيع الطفل التعرف على أمه فحسب. تُرى كيف تستطيع الأم التي تضطر إلى تغذية طفلها بمفردها، وإرضاعه أن تقوم بهذا العمل بمفردها؟ ليس من الممكن مقارنة الإنسان بغيره من الأحياء الأخرى؛ فمعظم الأحياء الأخرى تمشى بعد مدة قصيرة من الولادة، وتطير وتبدأ في الحصول على غذائها بنفسها. والعديد من أنواع الكائنات الحية مبرمج منذ الميلاد بشكل يحمي صغاره، غير أن صغار الإنسان هي الأضعف بين جميع الكائنات الحية، حيث تخضع للرعاية التي تستمر سنوات طويلة، في ظل التواصل والثقافة التي تحققها اللغة. ويحتل تفكير الإنسان في ظل إمكانية استخدام الكلام، مكان البرمجة منذ الميلاد الموجودة لدى الأحياء الأخرى.

ولو لم يعرف البشر اللغة اعتبارا من المرحلة الأولى لخلقهم، لشق عليهم جدا- حسبما نعتقد- مواصلتهم الحياة في الدنيا. بالإضافة إلى أننا على قناعة بأنه لا يمكن لمن لا يعرفون أية لغة على الإطلاق أن يمتلكوا الإرادة والقدرة التي تمكنهم من اختراع اللغة فيما بعد. كل هذه المشاكل يمكن حلها بشكل واحد. هو التسليم بأننا نعرف الحديث منذ الإنسان الأول. وتصريح القرآن بأن الإنسان الأول يعلم الحديث، مهم من ناحية كل هذه البيانات. لقد خلق الإنسان بقدرة ذهنية تمكنه من تعلم اللغة، وأذن تسمع اللغة، وفم ولسان يجيب. ويستحيل تفسير أي من الخلق المثالي لذهن الإنسان، والخلق الخارق والمعقد لكل من الأذن، والفم، واللسان بأنها مصادفات. ورغم كل هؤلاء فقد كان تعليم خالقنا اللغة لأول إنسان أمر ضروري من أجل وجودنا حينئذ. ونفكر في دراسة هذا الموضوع الذي يقتضي دخولنا في تفاصيل مسهبة في كتبنا لاحقة. وننهي هذا القسم حيث نقول إننا وجدنا في الآيات التي درسناها في هذا القسم أن التأكيد على تعليم الإنسان الأول اللغة أمر مهم جدا.

” فَتَلَقَّيٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍ…”

2- سورة البقرة؛ الآية 37

Leave a Comment