Monday 17 December 2018

القسم الحادي عشر

This post is also available in: الإنجليزية, الألبانية, البوسنية, التركية

” سُبۡحَانَ الَّذِي خَلَقَ الۡأَزۡوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ”

36- سورة يس؛ الآية 36

إن الكلمة العربية” أزواج” الواردة في الآية؛ جمع لكلمة” زوج” وتأتي بمعاني” الزوج، النظير”. ويعتمد تعريف الزوج- والزوجة في العثمانية على هذه الكلمة. تفيد هذه الكلمات، كما هو واضح، الأضداد في إطار الأشباه، وكونهم أزواجا بهذا الشكل. ويرد في الآية 3 نماذج من نماذج الخلق أزواجا.

أ‌- الأزواج التي تخرجها الأرض: خاصية التذكير والتأنيث الموجودة في النباتات هي أول ما يرد إلى الذهن عند ذكر الأزواج التي تخرجها الأرض.( سنتناول ذلك في موضوع مستقل لاحقا)

ب‌- الأزواج التي من أنفسنا: أول ما يتبادر إلى الذهن هو خلق البشر أزواجا في صورة الرجل- والأنثى. غير أن هناك من قيّم الصفات المتضادة في شخصية الإنسان مثل: الشجاعة- الجبن، الكرم- والبخل… ضمن ما أشارت إليه الآية.

ت‌- الأزواج المجهولة: لم يكن البشر يعلمون شيئا عن العديد من المخلوقات ذات الأزواج عندما نزل القرآن. وسنتناول هؤلاء على الخصوص في هذا القسم.

الاكتشاف الذي ربح جائزة نوبل

النواة هي حجر الأساس لجميع المواد الموجودة في الكون. ويستطيع المتطلع إلى معرفة هل خُلق جميع ما في الكون أزواجا أم لم يُخلق؟ أن يدرس النواة أصغر جزء في المادة ويصل لحكم في هذا الموضوع. فإن كانت الأزواج موجودة في أصغر جزء في المادة، فإن هذا بالضرورة يعني أن كل شيء في الكون خُلق أزواجا، وذلك لأن كل شيء في الكون خلق من هذه الأجزاء الصغيرة.

وكلما تقدمت الدراسات التي تُجرى حول الذرة، كلما أصبح من الواضح أن الجزيئات الموجودة لا تتشكل من البروتونات، والنيوترونات، والإلكترونات فحسب، فللنواة بنية حساسة للغاية، وكاملة تماما، ومعقدة أكثر مما نظن. حتى أن قضية الخلق أزواجا صحيحة أيضا بالنسبة لأصغر أجزاء النواة.

– هناك البروتون السالب الزوجُ المضاد للبروتون

– وهناك الإلكترون السالب الزوجُ المضاد للإلكترون

– ويوجد النيترون السالب الزوجُ المضاد للنيترون

إن خلق المادة في صورة أزواج واحد من أهم الاكتشافات الفيزيائية. فقد ربح العالم الإنجليزي بول درك Paul Dirac جائزة نوبل في عام 1933 نتيجة لدراساته في هذا الموضوع. ويُعرف اكتشافه هذا باسم” Parite”، وتبين نتيجة لهذا الاكتشاف أن للمادة زوجا مضادا يسمى المادة السالبة.

إن تصميم الله كل شيء بكل تفاصيله الدقيقة، يتأكد بذاته في خلق العالم، وفي بيان أعداد البروتونات، والإلكترونات، والنيترونات والأزواج الخاصة بهم. ولنتناول كلا من الإلكترون وزوجه الإلكترون السالب كنموذج على هذا. إن الطاقة تتولد إذا ما اجتمع الاثنان. وإذا ما واجهت 15 وحدة من الإلكترون السالب 10 وحدات من الإلكترون الموجب؛ فإن 10 وحدات من الإلكترون السالب تُدمر بفعل 10 وحدات من الإلكترون الموجب، وتبقى 5 وحدات من الإلكترون السالب. وإذا ما تعادل عدد كل منهما، تولدت الطاقة فحسب، وما بقى أي إلكترون سالبا كان أو موجبا. وهذا يعني أن قدرة البروتونات، أو الإلكترونات، أو النيوترونات على الوجود مرتبطة بألا يتفوق عدد الأزواج على بعضه البعض عند الالتقاء. وفي هذه الحالة يكون التوازن العددي ما بين الإلكترونات، والبروتونات، والنيوترونات أمر مهم جدا أيضا. وعلى سبيل المثال؛ فإن الحياة تستحيل في حال ما إذا كانت الإلكترونات أقل عددا من البروتونات. لقد أمكن وجودنا في الوقت الحالي نتيجة عمل كل هذه الحسابات على نحو دقيق. ولو أن حادثا واحدا من آلاف الحوادث، ترك للمصادفات، والأهواء، لم وجدنا اليوم على الإطلاق. نحن نستطيع البقاء في ظل علم بارئنا بكل شيء، وتدبيره لكل شيء، وقدرته المطلقة.

خدمة الأضداد للوحدة

كما أشرت سابقا؛ فإن الجانب الذي سيلاحظ في المعجزات العلمية للقرآن لا يكمن في أن التصريح بهذه المعجزات لا يمكن أن له أن يحدث بمعارف البشر الذين كانوا يعيشون في عصر الرسول. هذا الأمر مهم بالتأكيد. إلا أننا عندما فحصنا البيانات العلمية الواردة في هذه الآيات، كان إدراكنا لقدرة الله، وإبداعه، وعلمه، وعظمة خططه أمرا بالغ الأهمية أيضا. وعلى سبيل المثال أيضا؛ إنه عند دراسة تصريح القرآن بخلق الكون من وحدة واحدة، من رتق( بينا هذا في القسم الثاني: 21- سورة الأنبياء؛ الآية 30)؛ كان تصريح القرآن أنه يستحيل أن يكون من قول البشر، وأنه لا قبل لأي إنسان من الذين عاشوا في عصر الرسول أن يعرف هذه المعلومة أمرا مهما جدا. غير أن معرفة أن هذه المعلومة تؤكد، في الوقت ذاته، خلق الله للمادة والكون، وتكشف أن الله خلق الكون، ومخلوقاته بشكل مدبر، وأهداف محددة، وقوة كبرى؛ أمر مهم جدا أيضا. ولهذا السبب، فإننا نحاول بينما نكتب كتابنا هذا أن نوضح كيف أثبتت هذه البيانات العلمية وجود الله، وقدرته، وعظمة صنعته، بقدر وجود المعجزات العلمية الواردة في آيات القرآن، وذلك على نحو مترابط، ودون فصلها عن بعضها البعض. وخلاصة القول، أن الأمور التي دعت تلك الآيات التي تحقق هذه المعجزات إلى التأمل فيها مهمة جدا بالنسبة لنا مثل وجود المعجزات القرآنية.

لا بد علينا من الانتباه إلى نفس النقطة أيضا في الآيات التي تتحدث عن خلق الكون المادي في حالة أزواج. إن معرفة خلق الكون في حالة أزواج، ومعرفة الدور الحساس الذي قامت به عندما نزل القرآن، أمر محال. هذه النقطة مهمة جدا أيضا. إلا أننا عندما قمنا بدراسة المخلوقات ذات الأزواج الموجودة في الكون، فإن الخوارق المشاهدة بدءا من قوتي الدفع والجذب، وحتى توازن البروتون الموجب والبروتون السالب، والنيوترون الموجب والنيوترون السالب، مهمة جدا بقدر هذه النقطة. لا بد لنا في نفس الوقت أن نفكر في كل هذه المخلوقات ذات الأزواج، وليس في كون الآية القرآنية معجزة فحسب، فهي تجذب انتباهنا إلى تلك المخلوقات الأزواج الموجودة في الكون لنفهم خوارق العادات الموجودة في خلق الله.

لقد بقيت أهمية المخلوقات الأزواج الموجودة في الكون بسبب اكتشاف جسيمات كوراك quark الموجودة في البروتونات والنيوترونات. وتبين من الدراسات المعملية أيضا أن كلا من: الجسيمات كوارك، والجسيمات ليبتون lepton( جزيء فرعي لنواة أخرى) تكونت اثنين اثنين أيضا؛ أي على هيئة أزواج. وعندما تم اكتشاف الجسيم كوارك المسمى بوتوم” Bottom” بعد الجسيمات كوراك:” الفوقي Up”، و” السفلي Down”، و” المعياري Charm”، و” الغريب Strange ” استقر لدى العلماء مفهوم الخلق أزواجا لدرجة أنه تم وضع اسم الجسيم” الوصفي Top” قبل اكتشاف هذا الجسيم كوارك. وظهر صدق هذا الطرح الذي أشار إليه القرآن قبل 1400 سنة، وتوصل إليه العلماء في وقت قريب جدا. وفي مايو من عام 1994 كان غلاف مجلة التايمز يعلن عن اكتشاف الجسيم من نوع كوارك الذي يسمى” الوصفيTop “. ولقد اكتشف في معامل فرمى Fermiالموجودة في الولايات المتحدة أن الجسيم كوارك” الوصفي:” هو زوج الجسيم كوارك” بوتوم”.

وجميع المخلوقات الأزواج التي توجد في الكون تعمل في خدمة نظام الوحدة والكمال الكوني. ولا تمتلك الجسيمات كوارك” أعلى وأسفل”، ولا البروتونات، ولا البروتونات السالبة، ولا الشحنات السالبة والموجبة أي نوعا من الوعي. كل هذه الحوادث المنظمة، الواعية تخلق في أصغر مستوى في المادة اللا واعية. وفي ظل هذه المخلوقات تتمكن المجرات، والنجوم، والكواكب، والنباتات، والحيوانات، والناس من الوجود. ولو لم تخلقها قدرة عليا، لما أمكن للقوى ذات الأزواج المضادة، ولا للجزيئات ذات الأزواج المضادة أيضا أن تكون موجودة. ولما أمكن لهذه القوى المتضادة الأزواج مع بعضها البعض أن تخلق كونا خارقا للعادة، منظما، متباين الألوان بدلا من أن تحدث كابوسا. إن من خلق الخلق الأول، وحدد الأهداف في نهايتها، هو أيضا من أوجد القوى الزوجية في أولى لحظات الخلق، وهو من يُعمل هذه الأزواج من أجل الواحد حتى تصل إلى الأهداف الأخيرة. إن الأدلة التي أودعها الله في الكون ظاهرة كما الشمس لمن يريدون الاعتبار، والتفكر.

” وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ”

51- سورة الذاريات؛ الآية 49

Leave a Comment