Tuesday 11 December 2018

السماء مرتفعة بلا عَمَد

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, التركية

” اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيۡرِ عَمَدٍ تَرَوۡنَهَا”

13- سورة الرعد؛ الآية 2

إن إخبار القرآن بالحقائق العلمية التي لم يكن من الممكن الكشف عنها في ظل المستوي العلمي لعصر الرسول، جانب من جوانب إعجازه. ولقد أفسحنا المجال على نحو أكثر بينما نحاول إبراز تلك المعجزات في كتابنا هذا، إلى القول بأن هذه الحقائق العلمية التي عرفت فحسب في القرن أو القرون الأخيرة قد ذكرت قبل 1400 وبضع سنين. وتمثل تلك العبارة المذكورة أعلاه إحدى هذه المعلومات التي استحالت معرفتها بواسطة بحوث ومشاهدات عصر الرسول. لكن هذه الحقيقة ليست ظاهرة مكتشفة في القرون الأخيرة مثل ما ورد من المواضيع في العناوين الأخرى، فقد عرف البشر قبل زمان طويل جدا أن السماء ترتفع بلا عمد. غير أنه لم يكن لدى المجتمع أي اقتناع كهذا في عصر نزول القرآن. لدرجة أنه كان هناك من يؤمنون حتى بعد نزول القرآن بفكرة ارتكاز السماء على الجبال الموجودة في جانبي الأرض.

ومن ذلك على سبيل المثال؛ تشبيه السماء في إحدى النسخ القديمة من الإنجيل الأمريكي الجديد بوعاء مقلوب وقيام السماء على عمد.( انظروا: The New American Bible, St Joseph’s Medium Size Edition, sayfa 45) كان كل من ابن عباس( ت. 68هـ/ 687م)، ومجاهد( ت. 100هـ/ 718م)، وعكرمة( ت. 115 هـ/ 733م) يعتقدون أن هناك عمد( الجبال) ترفع السماء. ودافع هؤلاء الأشخاص، عن القول بأن الآية القرآنية تحدثت فحسب عن القسم المرئي من السماء، وأن هناك عمد تمسك السماء في الجزء غير المرئي منها. وهناك مجتمعات دافعت قديما عن فكرة ارتكاز السماء على الجبال الموجودة في حافتي الأرض مثل البابليين. لم يكن البشر في عصر الرسول يعلمون أن الأرض كروية، وأن الذهاب إلى كلا جانبيها ربما يؤدي إلى الوصول إلى نفس النقطة أيضا. لهذا السبب كان الزعم بأن السماء ترتفع على عمد أو لا ترتفع، زعما غامضا، مستحيل المعرفة والإثبات بالنسبة للعصر الذي عاش فيه الرسول. والإعجاز هنا يتمثل في التصريح القرآني الصائب بموضوع كان مجهولا مشكوكا فيه في عصره. ولا يحقق وجود هذه الآية في القرآن أية ميزة بالنسبة للرسول لأن إثبات هذه الحقيقة التي بينها القرآن استحال تحققه في عصر الرسول.

وربما وجهت بعض الاعتراضات إلى القرآن بسبب إفادة هذه الآية حيث تعذر إثبات هذه المعجزة في ذلك العصر. ولن يتسنى لمن يزعمون أن الرسول كتب القرآن، الإفصاح عن سبب ورود إفادة على هذا النحو في القرآن رغم المقتنعات السائدة في عصر الرسول. ولكي ندرك قيمة أساليب القصص القرآني إدراكا جيدا، علينا أن نذهب بخيالنا إلى عصر الرسول، ونحاول فهم البنية الذهنية للناس في تلك الفترة، وهو ما يتبين بواسطة هذا الموضوع. لقد أُوحيَ القرآن في مناخ ليس فيه سيارات ولا طائرات، يُجهل فيه شكل الأرض وخريطتها، وأغلب من يعيشون فيه لا يعرفون القراءة والكتابة. علينا التذكير بهذا المنظر العام في مواجهة من يزعمون أن الرسول أو أن البشر الذين عاشوا في عهده هم من ألف القرآن. ولو أننا وضعنا في الاعتبار أن هذه المواضيع التي تحدث عنها القرآن قد قيلت في تلك الفترة، لفهمنا المعجزات القرآنية على نحو أفضل، فيما نرى.

كيف تثبت السماء؟

في تاريخ العالم هذا الذي يمتد لآلاف السنين عاش الإنسان لا يدري شيئا عن ماهية الجو، وفوائده، وعن كونه شرطا حياتيا من أجل وجودنا. فكيف تكونت أو تجمعت مجموعة الغازات التي تسمى الجو بكل طبقاتها؟ وكيف لها أن تظل ثابتة حيث هي؟ إن ثبات السماء دون عمد( القسم الحادي والعشرون) مثله تماما مثل كونها سقفا وقائيا( القسم التاسع عشر)، وخاصية الرجع التي تتصف بها( القسم العشرون)، وتشكلها من طبقات مختلفة وأداء كل طبقة منها الوظائف الخاصة بها( القسم السابع عشر)؛ كل هذا يحدث نتيجة إبداع الله الرائع.

وتكشف البحوث التي أجريت في كواكب نظامنا الشمسي أنه ليس هناك أي مناخ حول أي من الكواكب يُمكّنُ من الحياة.

إن وجود المناخ الذي يلف حول الأرض، وكذلك خلقه على نحو يوفر كل أنواع الإمكانيات من أجل الحياة، ويحميها؛ دليل على أن الله اختار هذه الأرض التي نعيش فيها لكي يخلق الحياة بها.

تتحرك الجزيئات الثنائية التي تظهر فيما حولها على سطح الكوكب، تحركا سريعا. ولو تفوقت قوة جاذبية الكوكب على هذه السرعة، لجذب الكوكب جزيئات الغاز الثنائية، وامتصها سطحه. ولو أسرعت جزيئات الغاز الثنائية حركتها وتخلصت من مجال جاذبية الكوكب، لظلت تتجول في الفضاء. وكما هو معلوم؛ فقد تكون الجو والمعايير المرتبطة به في مرحلة تالية لتكون الأرض. ويتطابق هذا أيضا بشكل معجز مع العبارات المذكورة في الآية القرآنية” وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الۡمِيزَانَ” ( 55- سورة الرحمن؛ الآية 7) المتعلقة بتشكيل السماء، وإقامة التوازن فيما بعد. إن تشكيل جزيئات الغاز الثنائية المناخ كما هو الحال حول الأرض وبقائها من الممكن أن يتحقق بواسطة توفير التوازن المحتمل بشكل ضعيف جدا. هذا التوازن هو التوازن التام ما بين سرعة جزيئات الغاز الثنائية وقوة الجاذبية الأرضية. لقد أوجد الله توازنا حساسا على هذا النحو حيث رفع السماء بلا عمد. غير أن الأمر لا ينتهي عند هذا فحسب. فكان بقاء هذا التوازن على نحو دائم أمرا ضروريا مثل تحقيقه تماما. وبينما خلق الله الكرة الأرضية والجو أنشأ جميع التوازنات اللازمة من أجل بقاءهم وضمن بقاء هذا التوازن. ويشير القرآن على النحو الآتي إلى أهمية دوام هذا التوازن الذي عرفناه بفضل تقدم العلم، قائلا:

” إِنَّ اللَّهَ يُمۡسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالۡأَرۡضَ أَن تَزُولَا”

35- سورة فاطر؛ الآية 41

لا بد من ضبط الكثير من البيانات اللازمة لهذا التوازن. ومن ذلك على سبيل المثال أهمية ضبط وضع الأرض بالنسبة للشمس؛ لأن توازن حرارة الشمس سيتحقق في ظل هذا المعيار، كما أنه يؤثر أيضا في حركة جزيئات الغاز، كما أن سرعة دوران الكرة الأرضية أمر مهم من ناحية تجانس الحرارة أيضا. ولو ازدادت سرعة الدوران هذه لتبدد الجو، ولو تباطأت لفسد التجانس، لأن التراب يمتص الهواء الموجود في الوجه الخلفي. كما أن سلاسل جبال الألب، وطوروس، والهمالايا التي تمنع حدوث الفرق في درجة الحرارة ما بين منطقة خط الاستواء والمناطق القطبية، وتمنع أيضا النتائج المخيفة للتيارات الهوائية التي تنتج بسبب هذا الفرق مهمة للغاية من أجل بقاء الجو. وتساهم السلاسل الجبلية أيضا في الحفاظ على التوازن حيث تعترض الرياح على سطح الكرة الأرضية، وتجمع الهواء الساخن في القطاعات العليا منه. كذلك لا تخفى أهمية الغازات الموجودة في مركبات مناخنا من أجل بقائه. وعلى سبيل المثال؛ فإن أكسيد الكربون الذي يوجد على السطح بمقدار ضئيل جدا، يمنع فقد الحرارة ليلا حيث يغطي الأرض مثل اللحاف. ومن الأمور الهامة بالنسبة للجو أيضا ثبات حرارة سطحه، ومنع فقدان الحرارة ليلا. وكما رأينا فقد تم ضبط كل شيء بشكل حساس للغاية، ومترابط مع بعضه البعض بدءا من وجود السلاسل الجبلية وحتى خلق أكسيد الكربون، وكبر حجم الأرض وحتى وضعها بالنسبة للشمس، وتوازن حرارة السطح حتى سرعة الغازات الموجودة في الجو وخصائصها، وفي ظل هذا صار من الممكن أن ترتفع السماء بلا عمد. وفي ظل كل هذه الكائنات والعديد من الحوادث الحساسة التي عجزنا عن الإلمام بها هنا، يرتفع الهواء من فوقنا ويُسخرُ لخدمتنا دون أن يتبدد في الفضاء برغم سرعته، ودون أن يلتصق بالأرض بسبب جاذبيتها.

” إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوۡمٍ يَعۡقِلُونَ”

13- سورة الرعد؛ الآية 4

Leave a Comment