Thursday 15 November 2018

الذرة وجزيئاتها

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, التركية

” عَالِمِ الۡغَيۡبِ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الۡأَرۡضِ وَلَا أَصۡغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ”

34- سورة سبأ؛ الآية 3

الذرة اسم لأصغر جزء في المادة. ومن الكلمات المقابلة لكمة ذرة أيضا كلمة نواة. وهكذا يجذب الله الانتباه إلى وجود الذرة وعلومها. إن الإنسان الذي ينظر بالعين المجردة إلى المائدة، والسجادة، والحائط، والحجر لا يمكنه إدراك الذرة التي تمثل أصغر جزء في كل هؤلاء، ولا أهمية المعلومة التي تحتويها أيضا. بيد أن القرآن كما أشار إلى علوم الذرة، أشار أيضا إلى أهمية معرفة المعلومة الموجودة في أصغر عناصر الذرة بقوله” أَصۡغَرُ مِن ذَلِكَ “. وعقب تأكيد القرآن على وجود المعلومات المهمة في أصغر عنصر، كان تأكيده على وجود المعلومات المهمة أيضا فيما هو أصغر من ذلك، يكشف عن أهمية الذرة وأهمية معرفة جزيئات الذرة. كما بقوله” أَصۡغَرُ مِن ذَلِكَ” على أهمية معرفة مركبات الذرة مثل الجزيئات، ويذكر بأن كل هؤلاء الأمور معلومة لله. ولم يكن البشر الذين عاشوا في عصر الرسول، يمتلكون القدرة التي كانت ستمكنهم من معرفة أن أصغر وحدة في المادة، هي جزيئاتها ومركبات هذه الجزيئات تحتوي معلومات مهمة مختلفة عن بعضها البعض، كاختلاف كل منها عن الأخر. ويذكر القرآن أن الله قد أحاط بكل شيء علما. كما إن الإشارة إلى أهمية الذرة وجزيئاتها الفرعية، يتوافق مع كثير من المعلومات التي توصل إلهيا علم الفيزياء في يومنا هذا. إن علوم الفيزياء الكونية التي تدرس الكون كله، تتصل اتصالا وثيقا بعلوم فيزياء الذرة، وتتداخل معها كثيرا. وثمة إشارة معجزة للآية القرآنية أيضا، تتمثل في أن القرآن يستخدم لفظ( ذرة) كلما تطرق إلى الذرة بلفظ(ذرة) مشيرا إلى وزنها( وهو ما يرد في العربية بلفظ مثقال).( وتمثل أوزان الذرة معلومة مهمة للغاية في دراسة الذرة كما هو معلوم.)

القدرة من الكبر المطلق إلى الصغر المطلق

فلنتأمل أنفسنا حين نأكل فطيرة البيتزا. من أي شيء تتكون هذه الفطيرة: السجق، الجبن، الفُطر، الطماطم، والدقيق. حسنٌ، فمما يتكون السجق، والجبن، والفطر، والطماطم؟ أو مما تتكون تلك العناصر التي تكونهم…؟ عند دراسة هؤلاء تظهر أمامنا الجزيئات. تتكون هذه الجزيئات من النوايا أيضا. يمثل كل من الأكسجين، والهيدروجين، والكربون نماذج لهذه النوايا. ثم تأتي البروتونات، والإلكترونات بعد ذلك…

إن كوننا كله يتكون من المادة. وكل شيء بدءا من جزع الشجرة وحتى أوراقها، وعيني الإنسان وحتى يديه، وحلي الذهب وحتى الملابس القطنية ما هو إلا مادة. أما النواة فهي أصغر وحدة في المادة. والمادة الأساسية هي ذلك البروتون الموجب والنيوترون السالب الموجودين في نواة الذرة. أما الإلكترون المحمل بالقوة السالبة، فهو يدور في محيط النواة. هذه المعلومات التي أكتشفها العلم في السنوات الأخيرة ترسم لوحة متفردة. تناولوا قطعة من الحجر الذي يفترض أنه أبسط مادة، وتخيلوا أنه يحتوى بداخله قدرا من الذرات التي إن حاولتم إحصاءها؛ لأخفقتم في الانتهاء منه مدى حياتكم، أنها ملايين الملايين من النوايا. ثم تخيلوا أن إلكترونات كل نواة من هؤلاء تدور حول نواتها، مثل الكواكب التي تدور حول الشمس. إنها ملايين الملايين من أنظمة الشمس يحتويها الحجر الواحد، وقد تناولتم هذا الحجر وقبضتم عليه في أيديكم. ومهما يكن من الأمر؛ فإن من يفكر في هذا يدرك أنه ليس ثمة شيء بسيط، وعادي في الكون. تناولوا فطيرة البيتزا إن أحببتم، أو الحجر واسألوا أنفسكم: إنني أريد أن أتناول مواده الأساسية من جديد، فماذا علىّ أن أصنع؟ ما الذي يجب أن تصنعوه؟ عليكم أن تكوّنوا من جديد، ومن البداية كل المراحل التي مر بها الكون بدءا من الانفجار الأول. سوف تظهر في هذه المراحل النوايا التي تمثل أحجار البناء في الكون، وكذلك البروتونات، والإلكترونات، والنورتونات التي يمثل كل منها أيضا حجرا من أحجار البناء في الكون؛ تأتي بعد ذلك سحابة غازية تتكون من الهيدروجين والهليوم؛ ثم تتكون النجوم، ويوما ما تشكل تلك الذرات المنتجة في داخل هذه النجوم الفطر، والجبن، والطماطم لفطيرة البيتزا الخاصة بنا…

ولو أنكم قمتم بدراسة الذرة جيدا، لازدادت حيرتكم يزداد كلما درستموها أضعافا متضاعفة. تخيلوا أن قطعة النقود المعدنية التي ستضعونها على المائدة، تمثل نواة إحدى الذرات. وإذا ما تطلعتم إلى المدار الذي يرسمه الإلكترون السابح هذه الذرة، يمر هذا المدار سوف من جوار هذه القطعة المعدنية على مسافة حوالي 2-3 كيلومتر. حسن، فما الشيء الذي يتوسط هذين؟ إن وسط هذين؛ النواة والإلكترون هو الفراغ. أي أن قطعة الحجر التي نمسكها بأيدينا تحمل بداخلها ملايين الملايين من أنظمة الشمس ولكن 99.99 % من هذا الحجر فراغ. كم هو أمر مثير للدهشة، أليس كذلك؟

حين كنا ندرس الآية( 7 من سورة الذاريات رقم 51) في القسم الخامس؛ تلك الخاصة بأن الكون مليء بالمدارات، رأينا أن في الكون أكثر من مائة مليار مجرة، وأن هناك أكثر من مائة مليون نجم في كل مجرة، وأن لكل واحد منها كواكبه، ولكل كوكب منها أقماره، وأن حركة كل جرم سماوي من هؤلاء الأجرام في المدارات التي تم حساب كل منها بشكل كامل، قد أثبت عظمة الله وقدرته المطلقة،. نحن نمسك بحجر في أيدينا، وندرك أن الإلكترونات تدور بشكل منتظم للغاية حول نوايا ملايين الملايين من الذرات التي هي نسخ مصغرة من النظام الشمسي. أجل، ما الذي يقصه لنا هذا؟ إن هذا يرينا أنه كما تبدو قدرة خالقنا، قبل كل شيء، بشكل مطلق في الأشياء المتناهية الكبر، فإنها تبدو كذلك في الأشياء المتناهية الصغر. لقد خلقت الأشياء المتناهية الكبر بهذه النوايا الصغيرة على نحو دائم. ونمط الحركة الموجودة في النواة هو نفس حركات الدوران الموجودة حول المركز في الأشياء المتناهية الكبر. كما أن نظام كل مجرة في الكون، هو ذات النظام الموجود في النواة التي تكون ذرة من التراب. وهذا يعني أن الذي خلق ذرة واحدة من التراب في الكون، هو أيضا مالك الكون كله. علاوة على أن جميع هذه الحوادث تبرهن على أن قوته عظيمة جدا، وبالغة الإحكام، كما أنه لا مكان للتفاهة في كونه. وبناء على كل هذه البيانات العلمية؛ نستطيع القول إن خلق ملليمتر واحد وخلق الكون سواء بالنسبة لله. كما أن كل شيء بدءا من خلق التريليونات من النواة في داخل نقطة واحدة وحتى الفضاء الواسع المترامي الأطراف الذي لا تحده حدود، يؤكد لنا أنه مهما يكن عدد الخلق، وكبره، أو صغره فإن هذا أيضا سواء بالنسبة لله، كما أنه لا يعجزه شيء قط. فعلم هذا الخالق الذي أبدع كل هؤلاء مطلق، وقدرته مطلقة أيضا.

” وَلَوۡ أَنَّمَا فِي الۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَامٌ وَالۡبَحۡرُ يَمُدُّهُ مِن بَعۡدِهِ سَبۡعَةُ أَبۡحُرٍ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”

31- سورة لقمان؛ الآية 27

المخلوقات الدقيقة الموجودة في الذرة

تتشكل كل مادة في الوجود من الذرات. وتعني معرفة خلق الذرة، معرفة خلق كل شيء آخر. ( لقد رأينا في المواضيع الثلاثة الأولى أن المادة اللازمة من أجل وجود الذرة قد خلقت من عدم) لأن كل شيء خلاف ذلك قد خلق بهذه الذرات.

وتوجد البروتونات الشحنات الموجبة في نواة الذرة. وتقوم هذه الشحنات الموجبة بدفع بعضها بعضا. إلا أنه لا بد من التصاق البروتونات ببعضها البعض وتجمعها في نفس النقطة حتى تظهر خوارق عملية الخلق. فالقوة التي تحبس البروتونات النيوترونات التي تدفع بعضها بعضا في داخل الذرة؛ قوة شديدة للغاية؛ هذه القوة هي القوة النووية الموجودة في النواة. ويطلق على هذه الجزيئات المتناهية الصغر التي تحمل هذه القوة اسم” الجلوتين gluan” الذي يعني اللاصق في اللغة اللاتينية.( ولقد تم تكوين قوة القنبلة النووية الشديدة التدمير باستخدام هذه القوة.) إن الله الذي دبر / خطط كل شيء في الكون بالقيم الحسابية الدقيقة، نظم هذه القوة الشديدة بشكل حساس أيضا. ولو أن هذه القوة التي تلصق البروتونات المتدافعة بشكل يجعلها تتوقف وقتا ما، كانت ضعيفة، لما استطاعت البروتونات أن تتماسك، ولو أنها كانت أشد قوة لتداخلت البروتونات والنيوترونات في بعضها البعض.

لقد أثبتت لنا القنبلة الذرية وجود القوة الشديدة الكامنة بداخل الذرة بشكل مؤلم. غير أن هذا كشف لنا أيضا عن وجود بنية متوازنة داخل الذرة هي إحدى العوامل التي توفر لنا حاليا العيش المريح في الدنيا بشكل آمن. وفي ظل هذا التوازن لا تتعرض المواد لانحلال في لحظة من اللحظات، ولا تنشر الإشعاعات التي تضر بالبشر. وتمثل القوة النووية الضعيفة أحد العناصر التي تحقق توازن الذرة هذا. هذه القوة مهمة في تحقيق توازن النواة التي يوجد بداخلها الكثير من النيوترونات والبروتونات بصفة خاصة.

وثمة قوة أخرى أيضا تحقق وجود الذرة، هي القوة الإلكترو- مغناطيسية. هذه القوة تعمل على أن تقوم الجزيئات المحملة بالشحنة الكهربية المضادة بجذب بعضها بعضا، وتدفع تلك الجزيئات المتحدة الشحنات بعضها بعضا. وهكذا استطاعت الإلكترونات والبروتونات أن تشد بعضها بعضا، وتتجمع. غير أن لهذا التجمع معياره الخاص به أيضا. ولا تلتصق الإلكترونات بالبروتونات بينما تسبح في مداراتها حول النواة بسرعة لا يمكن للعقل أن يتصورها، كما لا يغير شيئا على الإطلاق تدافع الإلكترونات المحملة بالشحنة السالبة مع بعضها البعض، وهي تدور في إثر بعضها البعض. كما لا يغير جذب البروتون للإلكترون شيئا على الإطلاق. ولا يلتصق الإلكترون بالبروتون الذي يجذبه، ولا يخرج بعيدا عن مداره أيضا لا بتأثير سرعة الدوران ولا بتأثير الإلكترونات الأخرى التي تدفعه. لا ريب أن خالق المادة، والذرة، والإلكترون، بل وكل شيء هو من يدفع هذه الإلكترونات غير الواعية لفعل هذه الحركات. ولنجري تجربة- إن كنتم ترغبون في ذلك- كأناس عقلاء. ونربط حبلا بخصر ثلاثة أو خمسة من أصدقائنا، ونمرر بضعة أشخاص إلى منطقة الوسط، وبينما هم يجذبون هؤلاء الأشخاص الثلاثة أو الخمسة إليهم لدرجة الإلصاق، فعلى الأشخاص الموجودين فيما حولهم الدوران حول المركز الموجود في الوسط. وليدفع هؤلاء الأشخاص الذين يدورون بعضهم بعضا. لا شك أننا نتوقع أن يقوم من يدورون في الدائرة بمئات الجولات في ثانية واحدة مثل الإلكترون. ولكن ترى هل يستطيع البشر العقلاء تقليد حركة الذرة لمدة دقيقة واحدة في هذا الوضع؟ تخيلوا أيضا أننا قمنا بتقليد نموذج ذرة ذات ثلاثة أو أربعة مدارات، وأن هناك دورات في ثلاث أو أربع دوائر مختلفة حول النواة الفرضية. ولا سيما لو استطعنا توفير عدد من مصارعي السومو الذين يشبهون” الغلونيات” اللواصق الشديدة الموجودة في النواة، وجعلنا الأشخاص الموجودين في منطقة الوسط الذين يجذبون الحبل، متدافعين، يتماسكون جنبا إلى جنب، فمن يدري كم كانت تصبح تجربتنا هذه عجيبة! تُرى كيف تستطيع منذ ملايين السنوات تلك البروتونات والإلكترونات التي لن نتمكن من إحصائها النجاح في أداء نمط حركة عجز البشر العقلاء عن القيام به لدقيقة واحدة؟ وخصوصا في النوايا التي توجد منها ملايين الملايين من الأعداد في داخل حجر واحد…

إن العديد من الذرات التي توجد في الكون وفي وأجسادنا، قد كونت قبل زمان سحيق جدا بواسطة النجوم العملاقة الموجودة في الأقاصي البعيدة. إن الكالسيوم الموجود في أسنانا، وذرة الكربون الموجودة في فطيرة البيتزا الخاصة بنا، وذرة الحديد التي في أجسادنا كلها من نتاج النجوم العالية الحرارة. إن هذه المواد الخام الموجودة في الكون تطهى في مطبخ النجوم الحساس، ويتم إنتاجها، بعد ذلك تشكل فطيرتنا، ودمنا، ولحمنا، وأسنانا، عيوننا.

علينا ألا نستمع لكل ما يحكى هذا وكأنه أسطورة تحدث بعيدا عنا. فهذا النظام الكامل يعمل بتواصل في كل لحظة وفى كل شيء بدءا من أيدينا، وشعرنا، وعيوننا، والطعام الذي نأكله وحتى المقعد الذي نجلس عليه. إن خالقنا يحافظ دائما على كل شيء من أجلنا بقدرة عظيمة وحساب دقيق. وجميع هذه الحركات والقوى الموجودة في الذرة أيضا، تحقق وجودنا ووجود المادة.

” وَلَمۡ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٍ فَقَدَّرَهُ تَقۡدِيرًا”

25- سورة الفرقان؛ الآية 2

ماذا بعد؟

يعتقد أن في الكون كله 1080 جزيء. ولكي تفهمون هذا الرقم على نحو أجود عليكم أن تكتبوا 80 صفرا خلف العدد 1، وتفكرون في حجم هذا العدد. هكذا تواصل كل هذه الجزيئات المعقدة للغاية حركتها في توازن دقيق جدا، وذلك بفعل القوى التي تم تدبيرها بشكل دقيق جدا. ولقد تم تنظيم النجوم المذنبة التي تشكلت نتيجة لحركات كل هذه الجزيئات المتوافقة مع بعضها البعض، وكذلك الكواكب، والنجوم الكبرى المتفجرة، نُظمتْ تنظيما معقدا ودقيقا للغاية، وهي تتحرك بشكل تم حسابه على أكمل وجه. تُرى ماذا يلزم أكثر من ذلك لمن يريدون رؤية القوة، والقدرة، والإحكام؟

لقد حاولنا في هذا القسم تأكيد كم أن بنية الذرة بالغة التعقيد، وشديدة الإحكام، وكاملة بشكل مثالي. ولو أننا ندرس الذرة بتعمق أكثر فإنا حيرتنا ستزداد أكثر وأكثر، ونتعرف أكثر على الكمال.

فضلا عن هذا، لا بد لنا أن نضيف أن ظهور جزيئات الذرة بعد الانفجار العظيم أمر تم تدبيره بدقة بالغة. لقد تم تدبير كل شيء بقيم حساسة جدا؛ الحرارة في كل لحظة من لحظات الانفجار، وعدد جزيئات الذرة، وكذلك القوى التي تعمل في كل لحظة، وقوة كل واحدة منها. بحيث أنه لا المادة، ولا الذرة، ولا الكون أيضا كان سيتكون في حالة فقد ولو حتى واحدة من هذه القيمة؛ ولما وجدنا نحن كذلك. وسيؤدي أدنى تغيير في كل هذه القيم التي تحدثنا عنها، إلى إحداث كابوس بدلا من الوجود، والنظام، والمجرات، والذرة. وبينما كان من المتوقع أن يحدث انفجار ما كابوسا وفوضى؛ فقد ضبط الله هذا الانفجار وأحكمه؛ فتكونت نتيجة له جميع القواعد الفيزيائية، والنظام التام، والمجرات، والذرات.

وقد أثرت كذلك الوحدات الأصغر من الثواني تأثيرات بالغة في خلق الكون. ستيفن وينبرج هو صاحب كتاب” الدقائق الثلاث الأول” الشهير، وكلماته التالية دليل من الأدلة على عمليات الخلق الحساسة التي حدثت في الدقائق الأولى في الكون:” لو أن جزيئات متساوية العدد حقا وأخرى مضادة تكونت في بضع الدقائق الأولى في الكون، لانتهى كل هؤلاء متى انخفضت درجة الحرارة درجة واحدة أقل من مليار درجة، ولما بقي شيء على الإطلاق بخلاف الأشعة. وثمة دليل جيد للغاية يفند هذا الاحتمال: هو وجودنا. وكان لا بد من أن يوجد كم من الإلكترونات أكثر قليلا من النيترونات الموجبة، وبروتونات أكثر قليلا من البروتونات المضادة، ونيوترونات أكثر قليلا من النيوترونات المضادة أيضا من أجل بقاء بعض الأشياء لتتوفر مادة الكون الحالية إثر فناء الجزيء والجزيء المضاد.

ولا بد أن يتكون كل جزيء تشكل فيما بعد الانفجار العظيم، في سرعة معينة، وحرارة، وزمن محددين. كل المعطيات أن هذا الانفجار قد تم وفقا لتدبير خاص بشكل واضح جدا، وأن كل حادث وقع بعد الانفجار قد تحقق بواسطة قدرة عظيمة، وتدبير، وإبداع عظيمين. ولقد تحدثنا بإيجاز عن تكون جزيئات الذرة فيما بعد الانفجار العظيم، كما سبق وتطرقنا بإيجاز أيضا إلى بنية الذرة. وعند دراسة هذا الموضوع بتعمق، سوف تزداد الحيرة أضعافا متضاعفة نتيجة هذا الكمال الذي يكتنف عملية الخلق. إن الكيفية التي تكونت بها هذه الجزيئات وتحولت إلى ذرة، باستثناء الروعة الكامنة في الذرة، وكذلك عملية تشكل جزيئات الذرة بإحكام دقيق، خرق للعادة لا مثيل له يجب تأمله كثيرا. ولو لم يتحول 1080 جزيء إلى ذرات محملة بالشحنات المتدافعة المتجاذبة، والتوازنات الدقيقة، والقوى العظيمة، لما وجد ذلك الكيان الذي نطلق عليه مصطلح” أنا”، ولا هذا الكتاب الذي نقرأه، ولا هذه الدنيا التي نعيش فيها.

إن الوصول إلى أعماق الكون بواسطة المجهر كما هو معلوم أيضا، وسبر أغوار المادة بواسطة ميكروسكوب الإلكترون، تؤكد نفس الأشياء: روعة إبداع الله، وقدرته المطلقة، وكمال علمه، وتفرد تدبيره…

” لِلّهِ مُلۡكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيۡءٍ قَدِيرٌ”

5- سورة المائدة؛ الآية 120

Leave a Comment