Wednesday 12 December 2018

الخلق من أصل واحد، ونوع الطفل

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, الكردية, التركية

” ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ”

32- سورة السجدة؛ الآية 8

لقد رأينا في القسم السابق على هذا( القسم 46) القسم أنه تم جذب الانتباه إلى خلق الإنسان من سلالة من التراب( الآية 12 من سورة المؤمنين رقم 23). إن كلمة” سلالة” الواردة في الآية التي درسناها في ذلك القسم ترد أيضا في الآية 8 من سورة السجدة، وفي هذه المرة يتم التأكيد على خلق الإنسان من خلاصة المني، أي أنه كما خلق الإنسان من سلالة معينة من التراب، فإنه لم يخلق بطريق الصدفة من المني في مرحلة كونه منيا، بل إنه يخلق من خلاصة معينة من هذا المني. وخلاصة القول إنه بينما يجذب الانتباه إلى خلق الإنسان من جزء من المني بكلمة” نطفة”، فإن الانتباه يجذب أيضا إلى خلقه من خلاصة معينة من المني بواسطة كلمة” سلالة”.

وفي الحقيقة؛ إن الحيوانات المنوية أيضا، هي كما وضحناه سابقا جزء من المني، كما أنها مادته الخام الأساسية على حد سواء. ويكون الحيوان المنوي الذي يلقح البويضة، أنجح سباح بين الحيوانات المنوية يصل إلى الهدف متخطيا ملايين الحيوانات المنوية في سباحة هذه المسافة الطويلة، وهو قسم ضئيل حتى إنه يمكن التعبير عنه بواحد في المائة مليون من الحيوانات المنوية. إن كل إنسان موجود يخطو أولى خطواته في الحياة متجاوزا مئات الملايين في سباق السباحة. إن البقاء مرتبط بإنهاء هذا السباق الصعب بحيث يكون الأول. وبناء على وجودنا نحن من نقرأ الآن هذه المقالة؛ فإن هذا يعني أننا ربحنا السباق الذي خلف وراءه مئات الملايين ولو لمرة واحدة في حياتنا جميعا. كلنا” سلالة”؛ أي أننا خلاصة منتقاة، موجودون في ظل حيوان منوي مختار. وكم هناك من دروس عظيمة في جميع هذه الظواهر لمن يعقلون!

” نَحۡنُ خَلَقۡنَاكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ♦ أَفَرَأَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ♦ أَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُ أَمۡ نَحۡنُ الۡخَالِقُونَ ♦”

56- سورة الواقعة؛ الآيات 57- 59

تحديد النوع

” وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوۡجَيۡنِ الذَّكَرَ وَالۡأُنثَي ♦ مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَي ♦”

53- سورة النجم؛ الآيتان 45، 46

يمكننا أن نرى حتى في عصرنا هذا أنه لا يزال بعض الرجال أو أسر بعض الرجال يلومون النساء لأنهن لم تلدن طفلا ذكرا. هذه الظاهرة تحدث نتيجة المعلومة الخاطئة التي تعتقد أن النساء هن اللائي يحددن نوع الطفل. فلا تزال قائمة تلك المعلومة الخاطئة التي تتعلق بأن النساء هن اللائي شكلن نوع الطفل على مر التاريخ. وإن كانت الأوساط العلمية لم تقع في هذا الخطأ الذي وقع فيه العامة، إلا أنها أيضا كانت تحسب حتى سنوات قريبة أن البيضة الوافدة من الأم والحيوان المنوي الصادر من الرجل كلاهما يؤثران بشكل متساو في تحديد نوع الطفل. بيد أن كون الحيوان المنوي هو الذي يحدد نوع الطفل معلومة اكتشفتها الأوساط العلمية في السنوات القريبة.

وهناك حديث موضوع ورد في كتاب حرر بعد حوالي قرنين من الزمان من وفاة رسولنا، يكشف عن كيفية فهم الناس في ذلك العصر لتحديد النوع. ذاك الحديث الموضوع يقول:” ماء الرجل أبيض. أما ماء المرأة فأصفر اللون، يختلط كل منهما بالآخر فإذا غلب ماء الرجل ماء المرأة كان الطفل ذكرا. وإن غلب ماء المرأة ماء الرجل كان الطفل أنثى.” إذن؛ لم يكن من المعلوم كيف يتحدد نوع الطفل، كما هو واضح.

ولهذا السبب، وبعد أن بين القرآن عملية خلق أنواع البشر، تكون إشارة هذه الآية التي تقر أن عملية خلق هذه الأنواع متعلقة بالحيوان المنوي لماء الرجل فحسب؛ إشارة معجزة.

إن الشفرة الوراثية للإنسان، توجد في 46 كروموسوم الموجودة في كل خلية. اثنان من هذه الكروموسومات هما المسئولان عن تحديد النوع. وتعرف الكروموسومات التي عند الرجل ب XY بينما تعرف الكروموسومات التي عند المرأة ب XX. يحمل كل واحد من الكروموسومات التي تنفصل إلى اثنين في لحظة التبويض لدى النساء الكروموسوم X. أما لدى الرجال فإن بعض الحيوانات المنوية يحتوى الكروموسومات X، وبعضها يحمل الكروموسومات Y . وإذا ما اتحد الكروموسوم X الموجود لدى الرجال مع الكروموسوم X الموجود لدى النساء كان الطفل أنثى، أما إذا اتحد الركوموسومY الموجود لدى الرجال مع الكروموسومX الموجود لدى النساء كان الطفل ذكرا. وبهذه الصورة فإن كون الطفل ذكرا أو أنثى يرتبط تماما بكون الحيوان المنوي القادمY أو X. ولا تزال الأبحاث مستمرة في هذا الموضوع. وقد اتسعت المعلومات في هذا الصدد بفضل الأبحاث المتعلقة بهذا وبوجود بروتين SRY حول الكروموسوم Y في عام 1990.

لم تكن هذه المعلومة التي أشار إليها القرآن قبل 1400 سنة معروفة حتى عصر قريب جدا. والتاريخ مليء بالأحداث المشابهة لتطليق هنري Henry الثامن لزوجته كاترينا Catherine لأنها ولدت له بنتا. ومع كون هذه المعلومة التي أشار إليها القرآن معجزة، فإنها تحمل معها تهكما ساخرا إلى جانب ذلك أيضا. فقد لِيمتْ النساء قرون عديدة بسبب نوع الأطفال. وقد أدى الاكتشاف العملي إلى تأكيد المعجزة، وعرض أمام الأعين ذلك الظلم الذي كان يمارس تجاه النساء لسبب غير منطقي.

صلابة رحم الأم

” أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ♦ فَجَعَلۡنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ♦ إِلَى قَدَرٍ مَّعۡلُومٍ ♦ ”

77- سورة المرسلات؛ الآيات 20 -22

أشارت الآية 21 إلى بنية رحم الأم السليمة، والقوية. لقد وضع الرحم في مكان آمن للغاية حيث يوجد في منطقة الوسط تماما من الفراغ العظمي الحرقفي للمرأة. وليس لدى الرجل أي عضو يماثل هذا العضو. فالرحم عضو فارغ، له جدار سليم معد من العضلات. يشبه الكمثرى. طوله في المرأة البالغة ثمانية سنتيمترات، وعرضه خمسة، وارتفاعه اثنان ونصف. يتسع الرحم جيدا، ذلك الكتلة الصغيرة، في نهاية الحمل. ويبلغ وزن الرحم في غير فترة الحمل خمسين جراما. أما في نهاية الحمل فإنه يتجاوز حتى الألف جرام. ويمكن أن يصل الطفل الذي بداخله إلى خمسة آلاف جرام حسب مكانه. وهذا يعني زيادة وزن الرحم مائة ضعف.

الرحم هو العضو الوحيد في جسم الإنسان الذي ينمو بسرعة إلى هذا الحد، والذي لديه القدرة على التغيير السريع بهذا القدر أيضا. فالرحم يحمي بفضل عضلاته القوية والسميكة، وخلقه الخاص الجنين الذي ينمو تدريجيا اعتبارا من كونه بضعة سنتيمترات، – يحميه- من كل الصدمات، والأضرار الخارجية. إن القدرة على الإبقاء على أضعف مراحل الإنسان، دون أن يفقد حياته تتحقق في ظل الخلق المتين للرحم. ويرى أمبريو أن رحم الأم هو المكان الأنسب، والأمتن القائم والذي يمكن أن يوجد. إن دراستنا لعملية خلق الرحم المحكمة التي أشار إليها القرآن، دليل على أن الله الرحيم قد دبرت كل شيء منذ المراحل الأولى لعملية خلقنا.

” ٱلرَّحمن ٱلرَّحِيمِِ ”

1-سورة الفاتحة؛ الآية 1

Leave a Comment