Monday 20 November 2017

الإنسان وتلوث البيئة

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, التركية

” ظَهَرَ الۡفَسَادُ فِي الۡبَرِّ وَالۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ”

30- سورة الروم؛ الآية 41

يدفع الإنسان ثمن الأضرار التي ألحقها بالطبيعة وبيئته منذ قرون طويلة. ولقد أغفل من يضرون بالبيئة نتيجة الأطماع الشخصية، والرغبة في كسب أكثر، ودون أدنى شعور بالمسئولية، وبغباء حقيقة كونهم جزءا من الطبيعة وأن ما تسببوا فيه من الأضرار سوف يحل بهم كذلك. ويعتبر تكون الوعي البيئي لدى البشرية( على الأقل في قسم منهم) التي تعاني من الأضرار التي ألحقتها بالبيئة منذ مئات السنين، أمرا حديثا جدا؛ حيث تكون بعد أعوام 1970 نوع من الوعي فيما يتعلق ببيئتنا في الدنيا بدرجة يمكن الشعور بها، وبدأت تدرس هذه الظاهرة بشكل مكثف في إطار علمي يعرف باسم علم البيئة.

إن تصريح القرآن في مكان وقرن لا قبل لأحد أن يزعم إمكانية وجود الوعي البيئي فيه- تصريحه- بأن الفساد سيظهر في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، وأن نتائج هذا سوف تضر بالبشر أيضا، وتوجيهه الانتباه إلى أهمية هذا الموضوع لهو درس معجز.( كلمة” بحر” هي المقابل العربي لتلك الكلمة التي ترجمناها إلى deniz / البحر، اليم. وكما تعني هذه الكلمة البحار في الأساس، فإنها تعني جميع التجمعات المائية الكبرى مثل البحيرات والأنهار.) وقد علمنا جيدا أننا لن نستطيع القيام بالتصرفات العنيفة ضد الطبيعة في يومنا هذا، وأننا سندفع الثمن إذا هممنا بذلك. إضافة إلى ذلك عرفنا أن الأضرار التي ألحقها كل إنسان ببيئته، والتلوث الذي تسبب فيه قد اضر بالأرض جميعها: برها، وبحرها، وجوها. ولهذا السبب فإنه لا يستطيع أي إنسان، كائنا من كان، أن يقول في هذا الصدد” إنني أصنع ما أشاء. فكل شاة تعلق من عرقوبها.” ونتيجة لأن الطبيعة هدية الله لنا جميعا؛ فإن التصدي لمن يلحقون الضرر بها، وظيفتنا بل وظيفة مشتركة بالنسبة الإنسانية كلها.

الأضرار التي تلحق بالبيئة

من المحقق أن الثورة الصناعية في القرن 19 قد أثرت تأثيرا عظيما في وصول التلوث البيئي إلى ذروته. غير أن الاعتقاد بأن تلوث البيئة بدأ في هذا التاريخ خطأ فادح. فالتلوث البيئي موجود منذ أقدم العصور. إلا أن علم البيئة وتكون الوعي البيئي الجاد أمر حديث. ومن ذلك على سبيل المثال؛ حرق الغابات قصدا فهو نموذج من نماذج الضرر التي ألحقها بني الإنسان بالبيئة على مر العصور. فحريق الغابات سبب رئيس للعديد من الأمراض التي أصيب بها بني البشر كثيرا قبل عصور مثل مرض التهاب الجيوب الأنفية والأنتراكوز( سواد في الرئتين). بيد أننا لا نعتقد مطلقا أن البشر صانعي هذا أدركوا أن سبب هذه الأمراض هو ما ألحقوها بالبيئة من أضرار من كسبهم.

ويتبين أن تلوث البيئة كان مشكلة مهمة أيضا في العصور الوسطى. وصار إلقاء الناس الغائط أمام منازلهم في إنجلترا مشكلة كبيرة للغاية حتى أنه حكم عام 1345 على اثنين من مرتكبي هذا الفعل بغرامة قدرها 2 شيلن. أما في القرن 12 فقد صار فيليب أغوست Philippe Auguste أول ملك في فرنسا يأمر بإزالة الدنس المقزز الموجود في الشوارع. وبناء على هذا لوث الشعب الأنهار؛ مصادر مياه الشرب الخاصة به حيث ألقى الغائط بها. وتمت الموافقة في البرلمان الإنجليزي عام 1388 على أول قانون عرف بشأن تلوث البيئة. وهو يقضي بعدم إلقاء الغائط في الأنهار والشوارع. ويحق لمن يعيشون في أية منطقة لا يطبق المسئول عنها هذا القانون أن يشكونه إلى الملك. إن هذا القانون الذي تحدثنا عنه، هو أول قانون سنّه البشر حيث اقتنعوا أنه يتسنى لهم حماية أنفسهم في ظل قانون الدولة فحسب، حيث بلغ الضرر الذي لحق بهم بعدا لا يطاق نتيجة تلويثهم البيئة بأيديهم.

أما المشهد الذي ظهر على الساحة في عصر الصناعة في القرن 19 فإنه مشهد مرعب. ولوثت مصانع الحديد والصلب والتعدين في جميع المناطق الصناعية البر، والبحر، والجو. وتعتبر روايات تشارلز ديكنز Charles Dickens، وكتابات فردريك أنجلس Friedrich Engels مُنَظِرُ الشيوعية أشهر الأدلة الموجودة في الكتب على تلوث لندن. وقد مات 63 شخصا في وادي موصا Mosa ببلجيكا بسبب تلوث الجو عام 1930، أما عام 1952 فقد كانت المصيبة التي حدثت في لندن أعظم بكثير؛ إذ مات ما يزيد على 4000 شخص بسبب صعوبة التنفس، كنتيجة لتخريب البشر البيئة.

أما في عصرنا الحالي فليس الوضع بأفضل من ذلك؛ فربما لا تصادف حوادث الموت الجماعي كتلك ولكن هناك ما يزيد على مليار نسمة تقع تحت التهديد المباشر لتلوث الهواء وفقا لتصريحات منظمة الصحة العالمية. وليس من الممكن تحديد مدى الضرر الذي لحق بالبشر في الماضي بسبب هذه الأوساخ نتيجة إلقاء القمامة المجمعة على مدى سنوات عديدة بالبحار. وعلاوة على ذلك فإن التخلص من القمامة عن طريق إلقائها في البحار أيضا أمر لم ينته تماما في عصرنا الحالي. ويؤدي تلوث البحر سواء أكان ذلك الذي يقتل الكائنات الحية التي تعيش في قاع البحر، أو ذلك الذي يمهد الطريق لتجمع المواد الضارة في أجسامها؛ إلى إصابة الإنسان بالضرر في النهاية أيضا. ومن المسلم به أن كل أنواع التلوث هذه التي نعجز عن إحصائها ذات تأثير خطير في العديد من أمراض عصرنا هذا مثل السرطان.

إن تلوث البيئة من أكبر أعداء بني الإنسان في تاريخ الإنسانية كما هو واضح. وإن تنويه القرآن إلى هذا الموضوع في عصر لم يتكون فيه الوعي البيئي أمر هام جدا؛ فالقرآن لم يكتب تحت تأثير وعي المجتمع الخاص به، والبناء الاجتماعي والمشاكل الفعلية، مثل الكتب التي كتبها البشر بأيديهم. فهو من عند الله رب البشر أجمعين وسيد كل زمان. ولهذا السبب فإن القرآن ينقل المعلومات التي لم تكن موجودة في عصر نزوله، ومستويات الوعي، ومشاكل المستقبل أيضا، بقدر ما حدث في الماضي.

إن البشر يفعلون ذلك بأيديهم بشكل يتفق مع ما ذكر في الآية، كما يعانون بسبب ما كسبت أيديهم. وتفيد الآية كذلك أن ما حل بالبشر بمثابة تنبيه لهم حتى يصلحوا من تصرفاتهم السابقة. وبقدر ما نصلح ما فعلناه بأيدينا- وذلك بالنسبة للبشرية جمعاء- حينئذ نكون قد تجنبنا بهذه الدرجة تلك المصائب التي من المحتمل أن تحل بنا. لذا فإننا على قناعة تامة بأن مساندتنا لجميع الأشخاص والمؤسسات التي تحاول جادة تحقيق التوازن البيئي أمر في محله تماما.

Leave a Comment