Friday 13 September 2019

الأدلة الموجودة في أنفسنا وخلقنا

This post is also available in: الإنجليزية, الألبانية, البوسنية, التركية

” سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”

41- سورة فصلت آية 53

إن المقابل العربي للكلمة التي ترجمناها” الأنا” في الآية هو كلمة” نفس”. ونحن نستخدم في اللغة التركية أيضا الكلمات” نفس، روح” المرادفة للمعنى الذي تفيده هذه الكلمة. وترد هذه الكلمة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وتستخدم للتعبير عما هو خلاف جسدنا المادي ولكنها تستخدم للتعبير عن جوهرنا الممتزج مع جسدنا المادي. ويقول القرآن إن نفسنا سوف تؤخذ عندما نموت.( نحن نعبر عن هذا في اللغة التركية على أنه سلب الروح. ومع أن كلمة الروح ترد في القرآن فإن كلمة روح التي استخدمناها نحن في اللغة التركية تقابل كلمة نفس في اللغة العربية) ويقدم القرآن الروح على أنها حالنا من الحس، وأصل ذاتنا. حتى إن النفس لا توجد في كياننا المادي عندما ننام. ( انظروا سورة الزمر رقم 39- الآية 42) وفى مقابل هذا فإن النفس موجودة على نحو قد امتزجت فيه تماما مع كياننا المادي؛ وأن ما يفعل الحسنات والسيئات ما هو إلا ذاتنا ووعينا الذي يسمى بالنفس.

ونحن نفكر في أن ندرس في هذا الإطار العديد من فروع العلم المتنامية في القرن الأخير بدءا من الفلسفة العقلية وحتى نظرية كانتوم(Kuantum)، وكذلك دراسة تعذر شرح عملية عرض الحركات الواعية مثل الرؤية، والسمع، والتفكير للذرات اللاواعية اللامدركة التي تمثل نسبة 99% منها الفراغ مع البنية المادية لجسدنا، وإمكانية إيضاح هذا فحسب بواسطة الأنا( النفس، الروح) بعيدا عن كياننا المادي، دراسة مسهب في كتاب سوف نكتبه مستقبلا. ولا ندخل في هذا الموضوع في الوقت الحالي لأنه تجاوز حجم كتابنا، وحدود موضوعه.

إن الموضوع الذي أردنا تناوله في هذا القسم من كتابنا، هو التأكيد على وجود الأدلة في ذواتنا( أنفسنا) كما ورد في الآية. وكما يتحدث القرآن عن وجود الأدلة في العالم الخارجي بقوله” في الآفاق”، فإنه يؤكد بصفة خاصة أيضا على وجود الأدلة في أنفسنا بينما يفصلها عن العناصر المادية التي نشاهدها في العالم الخارجي.

إن الأدلة التي يعبر عنها في الفلسفة بالأدلة الوجودية، والمعلومات التي هي نتاج للعقل ولنشاط العقل دون الرجوع مطلقا لخبرة الحس التي يعبر عنها بالبديهية، هي نموذج للأدلة الموجودة في ذواتنا( أنفسنا) والتي أشار إليها القرآن. وهى تتعلق بالمعلومات التي لا يمكن ذكرها قبل وجود المعجزات التي درسناها سابقا؛ القمر الصناعي، المنظار الفلكي، والمجهر، والغواصة الخ وقبل أن ترتقي علوم الفيزياء، والكيمياء، والأحياء إلى أعلى مستوياتها في القرن الأخير. أما التعبير الذي درسناه في هذا القسم، فما هو إلا عبارة يمكن قولها في وسط له ثقافته الفلسفية وبنيته الفكرية الثرية. إن قبيلة رسولنا[ ص] كانت أناسا يعملون بالتجارة، وتربية الحيوان. ولم ينشأ رسولنا في وسط حياته الفكرية تموج بالحركة والتنوع مثل أكاديمية أفلاطون في العصور القديمة، ولا مدارس كاترين Katerzyen في العصر الحديث أيضا. ولهذا السبب فإن الحديث كلُ على حدة عن إمكانية وجود أدلة تنبع من نفس الإنسان، باستثناء الأدلة المشاهدة في العالم الخارجي؛ أمر جدير بالنظر في ظل الظروف والمناخ الذي وجد فيه رسولنا.

الدليل الوجودي

إن الرسالة الأساسية لكل الأديان التي أرسلها الله، هي أن الله موجود كامل. ونحن نتعرف على هذا أكثر عند دراسة كل واحد من مخلوقات الله في العالم الخارجي. أما في الدليل الوجودي فإن أذهاننا لا تصل إلى وجود الله عن طريق العالم الخارجي، بل على نحو مختلف عن طريق فكرة” الكمال” أو” الوجود الأكمل” التي تمثل ضرورة خلقنا،.

ونحن نصادف الشروح الأولى للدليل الوجودي في تاريخ الفلسفة عند الفارابي وابن سينا. ويدرس الفارابي الدليل الوجودي؛ مازجا إياه بالأدلة التي تعتمد على العالم الخارجي( الكون). ووفقا لهذا فإن وجود الله شيء حتمي، وإذا ما حاولنا القبول بعدم وجود الله للحظة واحدة، لوقع الذهن في حالة من التناقض. إن بقية الموجودات موجودات ممكنة؛ وكما يمكن التفكير في وجود هذه الموجودات، يمكن التفكير في عدمها أيضا. وإذا لم تجد تلك الموجودات الممكنة النهاية في الموجود الحتمي، حدث التناقض الذهني عندئذ.

ونظرا لأن دليل الفارابي مركب من الأدلة الوجودية والكونية، فإن العديد من الأشخاص يقولون إنهم وجدوا آثار هذا الدليل لأول مرة في تاريخ الفلسفة في مؤلفات ابن سينا بشكل حقيقي. وثمة العديد من الشروح المشهورة لكل من آنسلم (Anselm) في العالم الغربي ومن بعده ديسكارت(Descartes) أيضا موجودة كما هي في مؤلفات ابن سينا.

ورغم كل شيء فإن هذا الدليل، يذكر أكثر ما يذكر في تاريخ الفكر مقرونا بديسكارت. ويبدأ ديسكارت فلسفته معتبرا كل المعلومات التي يعرفها كأن لم تكن حتى لا يقع في الخطأ. بعد ذلك يقبل ديسكارت القائل” أنا أفكر إذن أنا موجود” بأن نفسه موجودة بشكل لا يمكن إنكاره؛ وأن الفكر الذي لا يمكن إنكاره على الإطلاق يكمن في أساس الحقيقة الواضحة تمام الوضوح.( إن الوجود الذي ارتضاه ديسكارت هنا، هو مفهوم الذات التي يعبر عنها القرآن بمفهوم” النفس”، فهو لا يقصد الجسد المادي).

وبعد ذلك يفهم ديسكارت المعرفة على أنها كمال أكبر بكثير من الشك، ويوضح على النحو الآتي كيف أوصلته فكرة الكمال هذه إلى من هو أكمل:” لن أشك بعد هذا، أي أنني حين فكرت أن وجودي كامل( لأني كنت أرى صراحة أن المعرفة كمالا أكبر بكثير من الشك) قررت أن أبحث من أين تعلمت التفكير فيما هو أكثر كمالا مما أنا عليه، وأدركت تماما لا بد وأنني تعلمت هذا من موجود أكثر كمالا. وأما حين يتطرق الحديث إلى أفكاري بشأن العديد من الأشياء الأخرى التي من حولي مثل؛ السماء، والأرض، والنور، والحرارة وآلاف الأشياء أيضا، فإنني كنت أعانى الكثير جدا لمعرفة من أين أتى هؤلاء؛ وذلك لأنني لم أر شيئا على الإطلاق فيهم يجعلهم متفوقين علىّ، أما في حالة كونهم حقيقيين، فقد كنت أستطيع الاعتقاد أنهم يوجدون بداخلي لوجود نقص ما لدى، وأنني اكتسبت هؤلاء من العدم. ولكن هذا لا يمكن أن يكون هو نفس الشيء بالنسبة لفكرة الوجود الأكثر كمالا من وجودي أنا. لأن اكتسابه من العدم شيء محال بصورة واضحة تماما؛ بعد ذلك أيضا في خروج الأكثر كمالا من الأقل كمالا، وفقا لوجود تناقض قليل بعض الشيء عن حدوث شيء من العدم، فما كان أيضا لي أن أكتسبه من نفسي. وعلى هذا النحو، كان يبقى احتمال واحد هو أنني منحت هذا الفكر من قبل موجود أكثر كمالا منى، بل وحتى من موجود يمتلك كل أنواع الكمالات التي توجد لدى كمجرد فكرة، وإذا أردت الإيجاز في عبارة واحدة، فإنني منحت هذا الفكر من قبل الله”

وبينما يدقق ديسكارت الأدلة الموجودة في ذاته(نفسه) يجد الله. ويقول ديسكارت إن هذه المعرفة قد نقشت في ذاته من قبل الله، تماما مثلما يطبع أي صاحب أثر علامته على أثره: ” إنها ليست من صنع ذهني ولا من تلفيقه. لأنه ليس بوسعي إنقاص شيء منه أو إضافة آخر إليه. ولذلك ليس لي أن أقول شيئا آخر سوى أنها ولدت وخلقت مصاحبة لي وقتما خلقت. والأصوب أنه لا يجب استغراب أن الله وضع هذا الفكر بذهني حين خلقني، مثل العلامة التي يضعها الفنان على أثره…”

ويقبل سبينوزا(Spinoza) أيضا الله على أنه جوهر حتمي، ويقول إن عدمه سوف يولد تناقضا منطقيا. أما ليبينز(Leibniz) فهو يرى أنه من الضروري عمل الإضافات إلى آراء ديسكارت، ويصيغ الدليل الوجودي مع شروحه التي تشبه ابن سينا.

عنصرا الزمان والمكان لدى” كانط”

يقول القرآن إن الأدلة موجودة في أنفسنا. ولقد درسنا حتى هذا الموضع شروحا من المفكرين مثل الفارابي وديكارت، تلك الخاصة بأن فكرة ” وجود الله” موجودة قائمة في أنفسنا منذ الميلاد. وحسب ما نعتقد فإن الآية القرآنية التي تقول إن الأدلة موجودة في أنفسنا، تشير أيضا إلى الأدلة بمفهوم أوسع من مجرد كون فكرة” وجود الله” موجودة في أذهاننا. ونحن على اقتناع تام أن جميع الخصائص التي تمتلكها أنفسنا وأذهاننا منذ الميلاد والتي تعرف على أنها” البديهية”، تدخل ضمن الإطار الذي تشير إليه هذه الآية.

ووفقا لذلك الكشف الفريد الذي جعل كانط مشهورا، فإن الزمان والمكان هما البديهيات التي نمتلكها قبل أن نلتقي بالعالم الخارجي، وقبل أي نوع من التجربة. وعلى الرغم من أن الطفل الصغير ليست لديه أية فكرة على الإطلاق بشأن المسافات؛ فإن رغبته في البعد عما لا يستهويه من الأشياء، والتقرب إلى تلك التي تعجبه لدليل على هذا. وإن كان الأمر كذلك، فإن الإنسان يدرك بشكل بديهي وبواسطة حس بديهي موجود منذ الميلاد أنه أمام هؤلاء، أو بجانبهم، أو خارجهم، في مكان مختلف عن نفسه. أي أن فكرة الزمان موجودة على نحو جاهز في أذهاننا قبل أن يحدث أي اتصال بالعالم الخارجي. والأمر هو نفسه بالنسبة للزمان أيضا. فالطفل قبل أي إدراك يمتلك شعوره أولا وآخرا. ولو لم يكن هؤلاء لاختلطت كل مكتسباتنا ببعضها البعض، وما استطعنا فهم المكتسبات المعقدة، غير المرتبة، والمشوشة. ونتيجة لطول البحث فإننا لا نتطرق للأدلة الأخرى الخاصة بوجود الإحساس بالزمان والمكان لدينا منذ الميلاد.

لقد استخدم” كانط” هذه الخصائص التي تمتلكها أنفسنا منذ الميلاد بينما كان يدرس اتصالنا بالعالم الخارجي. ولم يقل شيئا يتعلق بأن تلك هي أدلة وجود الله. إن كشف” كانط” هذا، دليل يثبت كيف أن الخصائص الموجودة في أنفسنا تتوافق مع العالم الخارجي. نحن نمتلك نفسا واحدة، ونعيش في مكان واحد. يمكننا أن نشبه المكان الذي نعيش فيه بباب معقد جدا. أما نفسنا فهي مفتاحنا الوحيد مع عنصري الزمان والمكان الذين نمتلكهما منذ الميلاد. ونحن ندخل مفتاحا معقدا للغاية مثل أنفسنا في هذا الباب البالغ التعقيد فينفتح الباب الذي أمامنا. فهل يمكن القول بوجود هذا المفتاح صدفة؟ من الواضح تماما أن من خلق هذا الكون، والزمان، والمكان هو أيضا من خلق نفس الإنسان بكل مقوماتها.

وكما رأينا في القسم السابق على هذا القسم، فإن قابلية تعلمنا اللغة أيضا موجودة في أنفسنا، في أذهاننا بشكل بديهي منذ الميلاد. وخلق هذه الحاجة الأكثر أهمية على نحو جاهز في ذهن الإنسان أيضا، هي الأدلة على أن خالقنا قد خلقنا على نحو كامل مثل عنصري الزمان والمكان تماما. ولقد خلقت بنيتنا العقلية مجهزة بكل أنواع المقومات أيضا من أجل تحقيق التوافق مع المناخ الموجود في العالم الخارجي.

إن الحواس البديهية الموجودة في أنفسنا منذ الميلاد، كما لوحظ، لا تخوننا على الإطلاق. ولقد أظهر ” كانط” أن هذه الحواس البديهية توافق مجال التجربة. ويعني هذا في الأساس خضوع الحواس البديهية للتجربة. وانطلاقا من هذا يمكننا الحصول على الثقة التي تنقل الحواس البديهية خارج ساحة التجربة. ونستطيع مثل ابن سينا، وديكارت، على سبيل المثال؛ أن نقبل فكرة وجود الله الموجودة في أذهاننا منذ الميلاد كدليل.

ولو أن” كانط” علم أن شرحه المتعلق بحاستي الزمان والمكان البديهيتين موضوعا للآية القرآنية القائلة” بوجود الأدلة في أنفسنا”، لأصيب بالحيرة على أية حال! ونرى أنه من الممكن أيضا استخراج النتائج بالنسبة للمعلومات البديهية التي يمتلكها الإنسان من شروح” كانط” التي تقول بحتمية إيماننا بالآخرة وبالله من أجل وجود الأخلاق. لقد قال” كانط” إنه لا بد من الإيمان بالله وبالآخرة كأمر لا مفر منه من أجل تطبيق مبدأ الأخلاق. ولم يقيّم” كانط” هذا على أنه شيء ينبع من خصائصنا البديهية، ويرى هذا الوضع على أنه ضرورة عملية، على أنه تصرف من تصرفات العقل العملي. غير أن عقله المخلوق بالمقومات المعروفة هو المقوم البديهي الذي يمتلكه منذ الميلاد والذي يؤدى إلى هذه النتائج. أي أننا نحن، عندما نؤمن بضرورة الأخلاق، يجب علينا أيضا أن نؤمن بالله وبالآخرة نتيجة لخصائصنا البديهية( قبول هؤلاء على أنهم مقدمة). وعلاوة على أن الأخلاق “حد أعلى” بالنسبة للإنسان على حد قول” كانط”، فهي مكونة من الخصائص البديهية النابعة من خلقتنا… وننهى هذا الموضوع هاهنا على أن ندرسه في دراساتنا القادمة.

وخلاصة القول: إن من يعلن الحرب على البديهي محكوم عليه بالندم!

الأشياء المشفرة مع خلقنا

” فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون”

30- سورة الروم- الآية 30

إن المعلومات( البديهية) عن خلقتنا المستورة بداخلنا ، توافق ما يقوله دين الله، كما أن هذا الخلق دليل على خلق الله الكامل. إن الكلمة التي ترجمناها في الآية” الموهوب منذ الفطرة” هي المصدر الحالي للفعل” فطر” الذي يعنى أول خَلْقٍ، وتعبر عن الشكل الأول للخلق، وسمات الخلق الموهوبة في بدايته. وإذا ما تأملنا في الآية التي تقول بوجود الأدلة في أنفسنا في بداية هذا القسم على أنها” موافقة الفطرة”، لأتضح الأمر بصورة أكثر يسرا. وإن الشرح الذي دافع عنه ديسكارت على نحو” الأفكار النابعة من الميلاد، الأفكار النابعة من الفطرة”، أمر يصعب فهمه على العديد من الأشخاص. لذا فإنه يجب التركيز بدقة عالية على البنية الذهنية للإنسان من أجل فهم هذا الفكر على النحو الذي دافع عنه ديكارت.

ولا شك أن الشرح على نحو” الأفكار منذ الميلاد” يفيد موافقة الفطرة، ولكن تناول الموافقة للفطرة في إطار” توافق فطرتنا وأوامر الدين” أمر ممكن أيضا، وهو ما يمكن فهمه على نحو أفضل من قبل الجموع الخفيرة.

إن العديد منا في بحث مستمر لإجابة عن الأسئلة:” من أين أتيت”، ” لماذا أنا موجود”، ” إلى أين أنا ذاهب”. وإذا ما أمعنا التفكير، فإن السبب في تساؤلنا كل هذه الأسئلة، هو خلقنا على نحو يجعلنا نسأل هذه الأسئلة. ولأن العديد من الناس هرب من هذه الأسئلة، وحاول عدم التفكير، وكبح سمات فطرته الخاصة به؛ فإنه لا يسأل هذه الأسئلة الحتمية بالنسبة لفطرته. وخلاصة القول؛ إن كون خالقنا يدفعنا لأن نسأل هذه الأسئلة” هو خلقه إيانا على نحو يؤمن بالدين”، وهذا أيضا يعنى” أنه سوف يرسل دينا ما” لأنه ليس ثمة نظام على الإطلاق يمكنه الإجابة على هذه الأسئلة سوى الدين. أي أن الدليل على حتمية وجود دين أمر متوار في فطرتنا بشكل يؤمن بدين ما.

إن الله الذي يجعلنا نشعر بالظمأ، قد خلق الماء في المقابل، وأوجد إمكانية العثور عليه أيضا. إن الله الذي يجعلنا نشعر بالجوع، قد خلق في المقابل أطعمة لا تحصى. وعند إمعان النظر، يتبين أن الشعور بالعطش، والجوع يختلف عن وجود الماء والأغذية في العالم الخارجي. فقد كان من الممكن لأنفسنا أن تطلب بدلا من الماء، أي بدلا من هذا المركب من ذرات الهيدروجين والأكسجين، مركبا لا فائدة له لنا أو لا علاقة له بأجسادنا. ولكن، كلا! لقد خلق جسدنا بشكل يطلب بالفطرة أكثر شيء ضروري، وما هو موجود. إن الوجود إلى الأبد، عدم الفناء على الإطلاق؛ حاجة عظيمة بالنسبة لنا أكثر من الماء والطعام. إن استمرار الحياة أسمى من كل أنواع الرغبات، والمطالب. أي أن الله خلقنا منذ البداية في حاجة إلى الآخرة. ولو أن الله لم يرد الإعطاء، لما أراد الطلب. وهذه الرغبة الموهوبة لنا منذ الفطرة، دليل على الآخرة.

وكما هو واضح، فإن أدلة الله، وأدلة الدين، وأدلة الآخرة موجودة في خلقنا على حد سواء. فلننتبه إلى التعبير الوارد في أواخر الآية الثلاثين من سورة الروم. ” ذلك الدين القيم.” لأن هذا هو الأدلة الموجودة منذ الخلق الأول للإنسان، والتي يحملها الإنسان في خلقته. ومن يستطيع قراءة هذه الأدلة يؤمن بالله، ويؤمن بالدين، ويؤمن بالآخرة. غير أن أخر جملة من الآية معبرة جدا. ” ولكن أكثر الناس لا يعلمون”. حقا أن العديد من الناس، لا يستطيع تقييم هذه الأدلة الموجودة في نفسه منذ الخلق وهم ينكرون أنفسهم بأنفسهم.

Leave a Comment