Wednesday 20 March 2019

إشارات من الإنجيل

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, التركية

” يَا أَهۡلَ الۡكِتَابِ قَدۡ جَاءكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ الۡكِتَابِ وَيَعۡفُو عَن كَثِيرٍ قَدۡ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ”

5- سورة المائدة؛ الآية 15

يخبر القرآن الكريم بأن المسيحيين أخفوا العديد من المعلومات الواردة صراحة في الإنجيل. ، وتصريحات الإنجيل التي تشير إلى مجيء رسولنا فيما بعد تشكل جزءا من تلك المعلومات. وسوف ندرس في هذا القسم من كتابنا تصريحات الإنجيل التي تشير إلى مجيء رسولنا وكيف تم إخفاؤها.

إن الأديان الثلاثة الكبرى التي يؤمن بها أكثر من نصف سكان العالم، جميعها تقدم- باستثناء بعض الفروق الموجهة للتطبيق- نفس الرسالة. وهناك نقاط هي الأهم في الأديان الثلاثة مثل الإقرار أولا بوحدانية الله، وبعلمه وقدرته المطلقة، وعدم الإشراك به. كما أن اعتقادا مهما جدا مثل وجود الآخرة اعتقاد مشترك بين الأديان الثلاثة أيضا. وخلاف ذلك من الأمور مثل: حفظ روح الإنسان، وحفظ حقه في الملكية، ومشاركة الفقراء من مبادئ الأخلاق العامة، والإكثار من ذكر الله، وشكره، والتعبد في أوقات معينة هو نفس الشيء في هذه الأديان الثلاثة. وقد أفسد كل دين وحرف أصله ما ظهر فيه فيما بعد من تعصب. ويخبر القرآن خصوصا عن ذلك الصنف الذي يتخفى في لباس رجال الدين، ويفسد أصله.( انظروا: 9- سورة التوبة؛ الآيات 31، 34، و5- سورة المائدة الآية 13، و2- سورة البقرة؛ الآية 75) هذا الموضوع المهم، موضوع يتجاوز حجم هذا الكتاب، ويدرس في كتاب خاص به. وبإيجاز علينا أن نقول إن المخططات المشتركة لهؤلاء المتعصبين؛ تتمثل في إفساد المدلولات الواردة في الكتاب المقدس، وتأليه الرسل أو رجال الدين، وتقديس المصادر الدينية الموضوعة المخالفة للكتاب المقدس. وسوف نفهم فهما جيدا أن جميع هذه الأديان الثلاثة تؤدي نفس الرسالة التي يؤديها كل واحد منها وذلك حين يتخلص كل دين( بإذن الله) ممن فيه من المتعصبين. وليس منهج هذا موضوع كتابنا هذا.

تشير التوراة، أول كتب الأديان الثلاثة الكبرى، إلى كل من عيسى عليه السلام ومحمد عليه السلام على حد سواء. أما القرآن فإنه يصدق الكتابين السابقين عليه بصفته آخر الكتب السماوية. ولهذا السبب فإن المعجزات التي سنراها على طول هذا الكتاب والتي تثبت أن القرآن منزل من عند الله، تثبت في الوقت ذاته أن التوراة والإنجيل أيضا كتابان منزلان من عند الله.( ربما تكون التوراة والإنجيل الموجودان بأيدينا فقدا أصالتهما وحرفت معاني كلماتهما بفعل المتعصبين. ولكن ينبغي علينا ألا نفقد الحقيقة الثاوية في أصل كلا الكتابين.)

ولندرس في هذا القسم التصريحات التي تبشر بمجيء رسولنا استنادا إلى الإنجيل الموجود حاليا. وبينما نقوم بهذه الدراسة؛ لا تنسوا الآية القرآنية التي تخبر بأن بعضا من المسيحيين قد أخفى العديد مما ورد في الإنجيل. وعقيدة التثليث هي أكثر شيء يخاف بعض المسيحيين تقوضه، وكذلك أن يقبل عيسى عليه السلام مجرد رسول مثل غيره من الرسل. ولو سلمنا بأن الإنجيل قد أشار إلى رسولنا، لظهر خطأ الشروح التي تفرط في تعظيم عيسى عليه السلام. ولهذا السبب فإن وجود إشارات خاصة برسولنا في الإنجيل سيأتي في مقدمة أكثر المعلومات التي تسعى الكنيسة إلى إخفائها سعيا حثيثا. وسوف تعمل الكنيسة لكي تحمي سلطتها الخاصة( إن عقيدة التثليث لا ترد ولو حتى في نسخة الإنجيل الموجودة لديكم الآن. فهي من وضع الكنيسة تماما) بل وحتى تحافظ على وجودها، على تحريف العبارات الواردة في الإنجيل. ولا ينبغي أن ننسى أن عيسى عليه السلام كان يتحدث الآرامية. أما أقدم نسخ الإنجيل، فهي باليونانية القديمة، واللاتينية ويتبين أن قسما مهما من التحريفات حدث في أثناء ترجمة الإنجيل إلى اليونانية واللاتينية.

ما المقصود بالمعزّي paraklit

” وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ابۡنُ مَرۡيَمَ يَا بَنِي إِسۡرَآئِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوۡرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأۡتِي مِن بَعۡدِي اسۡمُهُ أَحۡمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالۡبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحۡرٌ مُّبِينٌ ”

61- سورة الصف؛ الآية 6

لقد أخبر القرآن أن عيسى عليه السلام بشر برسولنا محمد.( لقد ظن من عجزوا عن العثور مباشرة على هذه البشارة في الإنجيل أن المسيحيين محوا هذه العبارات مستندين في ظنهم هذا إلى الآية القرآنية التي تخبر بأن أهل الكتاب أخفوا دينهم. وهذا أمر ممكن بالنسبة لبعض من الآيات. لكن نتيجة الدراسات تبين أن قسما من العبارات تم تفسيره تفسيرا خطئا حيث حرفت معانيه، وأن تلك البشارة التي تحدث عنها القرآن لا تزال موجودة في أصل الأناجيل الموجودة. وهكذا تثبت دراسة الكتب المقدسة صدق أحد بيانات القرآن إثباتا بشكل أكبر.) ويبين القرآن باستخدامه كلمة” أحمد” التي تعني” المحمود أو المثني” أنه بُشر برسولنا. وتشتق كل من كلمت” أحمد” و” محمد” من نفس الجذر. ويعتقد البعض أن الاسم” أحمد” اسم خاص برسولنا. ونرى أن من الصواب التفكير في معنى” الممحمود، والمثني” اللذين تفيدهما كلمة” أحمد”، وليس اسم” أحمد” اسم خاص. لأن اسم رسولنا يرد في أربعة مواضع في القرآن، ويرد فيها جميعا على أنه” محمد”.( انظروا: 3- سورة آل عمران؛ الآية 144، 33- سورة الأحزاب؛ الآية 0، 47- سورة محمد؛ الآية 2، 49- سورة الحجرات؛ الآية 29) هذا هو ما نرى، ولو أننا اعتقدنا أن اسم” أحمد” اسم خاص، لما تغيير أي شيء قط، فكلمة” أحمد” تعني” محمد” في كل الأحوال، كما أنها تأتي من نفس الجذر” حمد”.

ولندرس كيفية التبشير برسولنا في إنجيل يوحنا، وذلك بواسطة الكلمات المشيرة إلى رسولنا والكلمات المرادفة لكلمة” أحمد” التي تعني نفس ما يعنيه اسم الرسول. ويرد في إنجيل يوحنا فحسب ذلك الحوار الأخير الذي أجراه عيسى عليه السلام في نهاية الطعام الأخير الذي تناوله مع الحواريين، قبل الإمساك به وإحضاره. ولا تتحدث الأناجيل الثلاثة الأخرى( متتا، وماركوس، ولوقا) عن هذه الواقعة على الإطلاق. كيف يمكن تفسير عدم وجود هذه الأحاديث- التي قالها عيسى عليه السلام وتعتبر وصيته- في الأناجيل الثلاثة الأخرى؟ ترى هل حذفت تلك العبارات فيما بعد من الأناجيل الأخرى؟ وتلك هي العبارات الواردة في إنجيل يوحنا:

15- إن كنتم تحبونني فاتبعوا أوامري.

16- و أنا أتضرع إلى الأب فيرسل إليكم معزيا آخر.

الإنجيل- يوحنا- 14، 15-16

26- و أما المعزي الذي سيرسله الأب باسمي، الروح القدس فسوف يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم.

الإنجيل- يوحنا- 14، 26

7- لكني أقول لكم الحق. إن ذهابي خير لكم. لأنه أن لم انطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت أرسله إليكم.

8- و متى جاء ذاك سيقنع العالم بأنه مذنب بشأن الخطيئة، والصواب، والحكم.

الإنجيل- يوحنا- 16، 7-8

13- و أما متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل يتكلم بكل ما يسمع و يخبركم بأمور آتية.

14- ذاك يمجدني. لأنه يأخذ مما لي ويخبركم.

الإنجيل- يوحنا- 16، 13- 14

سندرس بعد قليل ماذا يعني المعزي. وأقدم نسخ إنجيل يوحنا مكتوبة باليونانية القديمة. وليست الآرامية لغة عيسى عليه السلام. وبرغم كل أنواع التحريفات ندرك من العبارات الموجودة فيه ما يأتي:

أ‌- أن روح الحق الذي سيأتي لن يتكلم من نفسه.( يوحنا – 16، 13) ولاسيما أن رسولنا كان يتبع القرآن الموحى إليه. ويصرح القرآن بهذا على النحو الآتي:

” وَمَا يَنطِقُ عَنِ الۡهَوَي♦ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٌ يُوحَى♦”

53- سورة النجم؛ الآيات- 4

ب- من يأتي سيمدح عيسى عليه السلام( يوحنا- 16، 14). والعديد من آيات القرآن يمتدح عيسى عليه السلام ويقر برسالته.

ج- يُذكر أن من سيأتي يلتقي مع الروح القدس( جبريل). ( يوحنا- 14، 26) ويذكر القرآن أن جبريل عليه السلام هو من أبلغ الرسول بوحي القرآن.

” وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الۡعَالَمِينَ♦ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الۡأَمِينُ♦ عَلَى قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الۡمُنذِرِينَ♦ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ♦ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الۡأَوَّلِينَ♦”

26- سورة الشعراء؛ الآيات 192- 196

د- أنه سيخبر بأنه قد أخذ هو وعيسى عليهما السلام من نفس المصدر.( يوحنا- 16، 14) والله هو مصدر جميع ما قاله الرسول محمد. لقد أخذ الوحي بواسطة جبريل تماما مثل غيره من الرسل.

ه- سوف يعلمكم كل شيء( يوحنا- 14، 26)، لقد علم رسولنا بواسطة القرآن كل شيء لا بد منه في جميع المواضيع بدءا من وجود الله، والآخرة، وحتى الأخلاق الحميدة.

و- يذكركم بما قلته لكم( يوحنا- 14، 26). تحتوي رسالة كل من عيسى ومحمد عليهما السلام نفس الحقائق.( مهما أفسد محرفو كل الأديان أديانهم)

يقول المسيحيون إن المقصود من المعزي إنما هو جبريل. حسن؛ إذن ما السبب في أن جبريل عليه السلام المذكور في مواضع الإنجيل الأخرى لا يرد على أنه المعزي في أي موضع آخر منه، ويقصد بلفظ المعزي جبريل عليه السلام عندما يرد الحديث عن الشخص الذي سيأتي في المستقبل؟ يقول عيسى عليه السلام في إنجيل يوحنا 14، 16 إن المعزي الذي سيأتي يشبهه. فمن الذي يشبه عيسى عليه السلام ويكون مثله؛ هل محمد البشر عليه السلام، أم جبريل؟ من هناك من الرسل غيره جاء بعد عيسى عليه السلام، ودافع عن رسالة عيسى عليه السلام، وعلّم القضايا الأساسية كلها بدءا من وجود الله وحتى وجود الآخرة، وذلك بالوحي الذي أنزله الله كتابا عليه وليس بعلمه هو؟

ويرى الأستاذ الدكتور/ عبد الله داوود أنه من المحتمل بشكل قوي أن تكون كلمة المعزي، هي الترجمة اليونانية القديمة لكلمتي” حِمدا” و” حِمادا” الموجودتين في اللغة الآرامية التي وضعها عيسى عليه السلام.( لقد رأينا في القسم السابق على هذا أنه تمت الإشارة إلى رسولنا في العهد القديم بهذه الكلمة.)

وينتقد الأستاذ الدكتور موريس بوسيل( Maurice Bucaille) محاولة تفسير المعزي الوارد في إنجيل يوحنا على أنه الروح القدس( جبريل)، ويرفض هذا الفهم، ويشرح المعزي(Parakletos) ويقول إنه رسول مثل عيسى عليه السلام يأتي من بعده، ويشرحه مستندا إلى أصول اللغة اليونانية على النحو الآتي:” إن إبلاغ الناس المزعوم هنا ليس عبارة عن الإلهام الذي هو من أعمال الروح القدس( جبريل) بأي صورة على الإطلاق. على العكس من ذلك؛ فهو ذا هيئة مادية صريحة، وذلك بسبب مفهوم النشر الذي تحمله الكلمة اليونانية الذي يكشف عن نفسه. إذن، فإن الأفعال اليونانية” Akouo” و” Laleo” تعني مجموعة من الأفعال المادية وهذه الأفعال يمكن أن تتعلق فحسب بمخلوق يتملك أعضاء السمع والكلام. ولذلك يستحيل تطبيق هذه الأفعال على الروح القدس( جبريل). وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا بد من اعتبار أن رؤية إنسان لديه ملكة السمع والكلام يشبه عيسى عليه السلام، في معزى يوحنا، نتيجة منطقية. والنص اليوناني يحتم وجود هذه الملكات بشكل قاطع. وهذا يعني أن عيسى عليه السلام يخبر بأن الله سيرسل إنسانا آخر إلى العالم من بعده، وسيكون دوره، وفي عبارة واحدة إذا لزم الإيجاز، دور رسول يسمع كلام الله ويبلغ رسالته للبشر. وتأتي كلمات الروح القدس الواردة في النص الموجود بحوزتنا الآن نتيجة إضافات كتبت فيما بعد بشكل مقصود تماما؛ هدفها تغيير المعنى الأول لتلك الفقرة التي تنبؤ بمجيء رسول من بعد عيسى عليه السلام. لأن الإيمان به يولد نوعا من التناقض مع الجماعات المسيحية المتنامية التي تريد أن يكون عيسى عليه السلام هو آخر الأنبياء.”

ويشرح الأستاذ الدكتور/ عبد الأحد داوود معني كلمة المعزي مؤصلا لها على النحو الآتي:” إن كلمة” paraklit / المعزي” هي الشكل المحرف لكلمة” Periqlytos”. وتعني هذه الكلمة سواء بمعناها اللغوي أو الاشتقاقي:” الشخص الرفيع الشأن، الجدير بالثناء”. وشاهدي المتعلق بهذا الخصوص، هو مؤلف ألكسندر المسمى”Dictionnaire Grec Français / المعجم الفرنسي اليوناني” وهو يوضح الكلمة على النحو الآتي: هذا الاسم المركب، يتكون من كلمة” klotis” المشتقة من مصدر الثناء والسابقة” Peri”. وهذه الكلمة هي المقابل التام للكلمة العربية” أحمد” التي تعني الأكثر شهرة، والأكثر ثناء، والأسمى شرفا. والقضية الوحيدة الواجب حلها هنا، هي العثور على أصل هذا الاسم الذي استخدمه عيسى عليه السلام في اللغة الآرامية.”

ذلك الرسول

20- لقد تحققت معرفة يحيى على هذا النحو، فاعترف صراحة، ولم ينكر:” اعترف صراحة قائلا:” لست أنا المسيح.”

21- فسألوه:” إذن فمن أنت؟ هل أنت إلياس؟” فقال:” لست أنا.”

” هل أنت ذلك النبي؟”

فقال:” يحيى كلا”…

إنجيل يوحنا- 1، 20 21

لقد سئل يحيى عليه السلام 3 أسئلة وأجاب على تلك الأسئلة الثلاثة بالنفي:

1- هل أنت المسيح؟( هل أنت عيسى)

2- هل أنت إلياس؟

3- هل أنت ذلك النبي؟

لقد استند البعض إلى إنجيل متتا، وقالوا إن الرسول يحيى هو الرسول إلياس. وتلك هي العبارة الواردة في هذا الإنجيل:” في ذلك الوقت فهم التلاميذ أن عيسى حدثهم عن يحيى المُعمّد.”( انظروا: انجيل متتا- 17، 13) في حين يصرح بشكل واضح جدا في تلك العبارة الواردة في إنجيل يوحنا بأن يحيى ليس هو إلياس.

يرد في إنجيل يوحنا الحديث عن 3 رسل مختلفين. هؤلاء هم: 1- عيسى، 2- إلياس، 3- ذلك الرسول. ومن المعروف أن الرسولين يحيى وعيسى قد عاشا عليهما السلام في نفس الفترة. ويقول عيسى عليه السلام في الإنجيل إن إلياس قد جاء، وأن الناس عذبوه كثيرا( انظروا: إنجيل متتا 17- 12).

حسن إذن، فمن” ذلك الرسول؟” الناس ينتظرون الرسول المذكور في العبارة الواردة في 18/ 18 من التثنية في التوراة.( لقد درسنا هذه العبارة في القسم السابق على هذا.) وهذا أيضا يظهر أن” ذلك الرسول” شخصية تختلف عن عيسى عليه السلام. إذن فمن يكون ذلك الرسول الذي يبلغ الناس بما يوحى إليه من الله كما هو مبين في 18م18 من التثنية في التوراة، ولم يأت بعد في الفترة التي ظهر فيها عيسى عليه السلام، ويختلف عنه؟ إنه لا يمكن إبراز إنسان آخر أدى مهمة الرسالة التي تلقاها من الله، وحظي بمكانة مهمة في التاريخ، وجاء من بعد عيسى عليه السلام سوى محمد عليه السلام.

كيف يُعرف الرسول الكاذب؟

15- احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من الداخل ذئاب خاطفة

16- من ثمارهم تعرفونهم؛ هل يجتنى من الشوك عنبا أو من الحسك تينا؟

17- هكذا كل شجرة جيدة تعطي أثمارا جيدة وأما الشجرة الردية فتعطي أثمارا ردية.

18- لا تقدر شجرة جيدة أن تعطي أثمارا ردية و لا شجرة ردية أن تعطي أثمارا جيدة.

19- كل شجرة لا تعطي ثمرا جيدا تقطع و تلقى في النار.

20- فإذا من ثمارهم تعرفونهم.

إنجيل متتا- 7( 15-20)

لا يرد في أي موضع من الإنجيل القول إنه لن يأتي رسول بعد عيسى عليه السلام. وبرغم هذا تقدم تلك المقاييس في التعرف على من يدعون النبوة كذبا:” انظر إلى الشيء [ ص 254] وفرق ما بين الصادق والكاذب.” في حين أنه لو لم يكن ثمة رسول يأتي من بعد عيسى عليه السلام؛ لأستطاع عيسى عليه السلام الإجابة على هذا السؤال بشكل قاطع وصريح قائلا:” لن يأت رسول من بعدي، ومن يدعي النبوة من بعدي فهو كاذب.” إن المنهج الذي أوصى به عيسى عليه السلام في الفصل بين الرسول الصادق والكاذب، دليل كاف بمفرده على أن ثمة رسول يأتي من بعده عليه السلام. وأما مجيء رسول بعد عيسى عليه السلام، فلا بد وأن يكون دليلا كافيا للمسيحيين على رسالة محمد عليه السلام، لأن نموذجا خارقا كالذي جاء بعد عيسى عليه السلام، وآمن بالله، ووثق به، وأحبه، وكون مجتمعات تاركة للأصنام قد تحقق فحسب، ولا غير، في ظل الدين المرسل مع رسولنا.

وبالرغم من كل هذه الحقائق الصريحة، والإشارات الواردة في التوراة والإنجيل، فإن الحاخامات والقساوسة يتسابقون من أجل كتم وتحريف ما أقرته التوراة والإنجيل. ومما يؤسف له أن المذاهب: الكاثوليكي، والأرثوذكسي التي لم ترد ولو حتى أسماؤها، ولم يشر إليها لا في التوراة ولا في الإنجيل، وآراء الباباوات، وكبار القساوسة في روما(!) صارت بالنسبة لقسم كبير من الشعب المسيحي أهم مما تقوله التوراة والإنجيل.

التلاقي في النقاط المشتركة

ليس هناك أي شيء يتعلق بعقيدة التثليث لا في نسخ التوراة ولا في نسخ الإنجيل الموجودة لدينا حاليا. حتى إن استنباط عقيدة التثليث من الإنجيل الموجود لدينا حاليا ما هو إلا محاولة قسرية وتحريف. غير أن تعليق الكنيسة بشأن الدين، قد طغى على الإنجيل ذاته لدرجة أن التصريحات الرسمية للكنسية تقدم عقيدة التثليث على أنها أهم الحقائق المسيحية. ألم يكن من الضروري وجود مئات التصريحات في هذا الشأن في الإنجيل لو أن عقيدة التثليث كانت مهمة إلى هذا الحد؟ غير أنه ليس ثمة واحدة قط! ويقبل المسيحيون التوراة بنفس الشكل. فلماذا لا تحتوي التوراة على إشارة إلى التثليث؟ إنكم لتعجزون عن إظهار هذا حتى ولو أنكم جاذبتم التوراة! لماذا لا يرد الروح القدس( جبريل) في التوراة على أنه واحد من ثلاثة؟ لماذا لا تحتوي التوراة على تفسير على نحو: أن ابن إله أو شبيه إله سوف يأتي مستقبلا في صورة إنسان؟ كيف لا ترد في العهد القديم هذه النقطة التي ترونها مهمة جدا جدا؟ ألا تعتقدون أن العهد القديم من وحي الله؟

ويتبين بهذا الشكل أن قضية الأب- والابن التي ترد في الإنجيل بوضعه الحالي، قد ظهرت نتيجة تعليق الكنيسة أيضا. لأن الله يعرف في جميع الأناجيل الحالية على أنه أبو جميع البشر، ويعرف البشر جميعا على أنهم أولاده أيضا. أي أن إنسان محايدا يقرأ الأناجيل الحالية، يستوعب كلمة” الأب” التي في الإنجيل على أنها مجاز مستخدم تعبيرا عن أب جميع البشر، وأن كلمة” الابن” مجاز مستخدم تعبيرا عن جميع البشر.

لتكونوا أنتم أبناء الأب الموجود في السماء.

إنجيل متتا- 5، 45

ونظن أن المفهوم الذي استخدمه عيسى عليه السلام في الآرامية من أجل الله على نحو رب جميع البشر، وإلههم، ومالكهم، قد ترجم إلى اليونانية القديمة على نحو” الأب”، أما المفهوم الذي يعني” العبد الحبيب” فقد ترجم على نحو” الابن”. ولا شك أن رجال الدين الذين يسعون للإقرار هذه الفكرة هم مصدر هذه الترجمة. ونحن نعجز عن إثبات اعتقادنا هذا لأننا لا نملك الإنجيل في لغته الأصلية الآرامية. غير أن نمط استخدام هذه الكلمات في الإنجيل الموجود يدعمنا. وتأتي كلمة” أب” المترجمة على نحو” بابا” من اللغات السامية، بمعنى” الشخص السبب” أيضا. وربما يكون هذا المعنى أيضا أحد أسباب الخطأ المرتكبة في أثناء القيام بالترجمة من اللغة الأصلية.( وثمة زعم بأن مترجمي الإنجيل من اللغات السامية إلى اللغات اللاتينية- اليونانية لأول مرة، ترجموا الكلمة التي تعني” مصدر العقل، العقل الأعلى” التي تلفظ على نحو” ال-البار” المستخدمة من أجل الله إلى كلمة” باب، بابا” التي تعني الأب، والجد حيث شبهوها بكلمة” آب، أبرا، وأبّا”.) ونحن على قناعة بأن هذا الخطأ افتعله قصدا رجال الدين المسيحيون. إن السلطة الدينية التي تقمع كل فكر معارض لها في مجلس إزنيك، قد ساعدت بشكل قوي جدا بعد ذلك التاريخ على إقرار فكرة الأب- والابن الخاطئة. وقد خرجنا عن إطار كتابنا بناء على أهمية الموضوع، وفي الختام ننهيه بهاتين الآيتين القرآنيتين:

” اتَّخَذُوا۟ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَانَهُمۡ أَرۡبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالۡمَسِيحَ ابۡنَ مَرۡيَمَ وَمَا أُمِرُوا۟ إِلاَّ لِيَعۡبُدُوا۟ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبۡحَانَهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ”

9- سورة التوبة؛ الآية 31

” وَلَا تُجَادِلُوا أَهۡلَ الۡكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنۡهُمۡ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمۡ وَاحِدٌ وَنَحۡنُ لَهُ مُسۡلِمُونَ ”

29- سورة العنكبوت؛ الآية 46

Leave a Comment