Wednesday 12 December 2018

أقطار الأرض والسماء

This post is also available in: الإنجليزية, الألمانية, الألبانية, البوسنية, التركية

” يَا مَعۡشَرَ الۡجِنِّ وَالۡإِنسِ إِنِ اسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُوا مِنۡ أَقۡطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالۡأَرۡضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَانٍ”

55- سورة الرحمن؛ الآية 33

الكلمة التي ترجمناها إلى”çapları/ أقطارها، أبعادها/ حدودها” هي الكلمة العربية” أقطار” الواردة في الآية. وهي جمع كلمة” قطر” التي تعني”çap ” في اللغة التركية، وتفيد تعدد أقطار السماوات والأرض. وثمة قاعدة خاصة في اللغة العربية توضح التثنية أيضا، وهكذا تبتعد كلمة” أقطار” عن نبرة الإفراد والتثنية على حد سواء حيث تفيد الجمع. فلا بد من التنبه إلى هذه الدقة في التعبير. نستطيع الحديث عن” القطر” في الأجسام الثلاثية الأبعاد في إطار البني الكروية فحسب، أما الحديث عنه في الكرة المستوية فهو أمر غير صائب، حيث يوجد قطر واحد فحسب في الكرة المستوية. ونرى هنا كيف استخدمت كلمة” أقطار” في هذه الآية في موضعها تماما، وبحكمة دقيقة.

علاوة على ذلك فلا تخفى أهمية هذه الآية مهمة أيضا لأنها أشارت إلى كروية الأرض. لقد انتهت الشكوك المتعلقة بالشكل الكروي للأرض بقوانين الجاذبية الأرضية التي وضعها نيوتن Newton( 1642- 1724) فحسب. قبل ذلك كان هناك اعتقاد بأن الناس، والأحياء، والبحار الموجودة في القسم الأدنى من الأرض سوف يسقطون إلى أسفل، واعتراض على فكرة كروية الأرض. وبفضل اكتشاف إسحاق نيوتن قوة الجاذبية، تبين أن البحار، والبشر، والمخلوقات الحية الأخرى ثابتة على الأرض بسبب جاذبيتها؛ وأنه لا معنى لمفهومي أعلى الأرض وأدناها. وفقدت الاعتراضات التي كانت على كروية لأرض معناها، إلا أنه لا يزال هناك العديد من البشر يظنون أن الأرض كرة مستوية. أي أنكم إذا تحدثتم إلى شخص ما عن كروية الأرض بعد تفسيرات نيوتن هذه، فإنه سيصحح قولكم” أقطارها” بصيغة الجمع ويقول” قطر” الأرض. ليس من الممكن أن يكون للأرض أقطار وهي في شكل كرة؛ لكنه أمر ممكن في شكلها البيضاوي.

أقطار السماء والأرض وحدود السماء

إن ذكر” أقطار السماوات” الو راد في الآية ذكر مهم. كان العديد من رجال الفضاء يظنون أنه بلا حدود إلى أن عرفت حقيقة تكونه نتيجة انفجار نقطة واحدة، وأنه يتسع دائما. غير أن الفضاء يتسع باستمرار ويتكون في كل نقطة من نقاط توسعه قطر جديد وأكبر حجما. ( لقد شرحنا هذا الموضوع في الأقسام: 1، 2، 3)، وهناك أيضا إشارة في الآية إلى كروية الأرض. ولاسيما أن آينشتاين شبّه الكون ببالون ينتفخ دائما وهو تشبيه يتوافق مع الآية. وكما سيتبين اختلاف أقطار الفضاء في المقاسات المأخوذة من أماكن مختلفة فيه، فسوف تختلف مقاسات الأقطار التي تؤخذ كل لحظة عن سابقتها أيضا نظرا لأن الفضاء في اتساع دائم. ولهذا السبب فإن الحديث عن أقطار السماوات أيضا، حديث مهم حيث جرى الحديث عن العديد من الأقطار، وكُذّبت نظرية الفضاء اللا محدود.

وعندما نأخذ قطرا على نحو يجمع أقطاب الأرض من نقطة المركز، وقطر خط الاستواء والأقطار التي بينهم، فإن قطر خط الاستواء سكون أكبر قطر، والقطر الذي تم قياسه في المنطقة القطبية هو أصغر قطر. أما الأقطار الأخرى فتبقى بين هذه الأقطار. ويظهر الاختلاف بنفس الشكل أيضا في الأقطار التي مددناها من قلب الأرض حتى نهاية الجو. ويختلف طول القطر الممدود من محاذاة الأقطاب حتى أعلى الجو، وطول القطر المشدود من خط الاستواء حتى أعلى الجو، وكذلك أطوال الأقطار التي تم تكوينها بنفس الشكل بين هؤلاء.

ويستحيل على الإنسان أن يدرك بجسده أقطار الأرض الممتدة حتى حدود الجو، وكذلك الأقطار المتكونة الممتدة على طول الفضاء أيضا. وبعد أن بين الله صعوبة تجاوز هذه الأقطار في الآية، لم يقل إنه يستحيل تجاوز هذه الأقطار، بل على العكس من ذلك لفت الانتباه إلى أن اجتياز هذه الأقطار يمكن أن يتم بواسطة قوة عليا.

ولا شك أن القوة التي ستجتاز هذه الأقطار، خارج قدراتنا الجسدية. حيث أن البشرية خرجت خارج أقطار الكرة الأرضية حين أنشأت السفينة الفضائية عندما تقدمت علميا، واستفادت من المعادن، ومصادر الطاقة الموجودة في الدنيا، أما اجتياز أقطار الفضاء فإنه يبدو أمرا صعبا بسبب حدود الفضاء القاصية جدا، وقصر عمر الإنسان، وعدم كفاية إمكانياتنا التقنية المتاحة. ونتذكر أن القرآن لفت الانتباه إلى أنه من الممكن التجاوز بقوة عليا( تعبر عنها كلمة سلطان في اللغة العربية) ولا نرى هذا الاجتياز أمرا مستحيلا. ولأننا لا ندري هل سيُمكنُ الله البشرية من تحقيق هذا أم لن يمكنها قبل فناء الدنيا، فإننا نرجح الصمت أمام هذا الهدف الذي يبدو مستحيلا. ونعيش في الوقت الحالي فرحة الخروج عن جونا نتيجة تطور العلم والاستفادة من المصادر المكنوزة في الأرض.( راجعوا الذهاب إلى القمر في القسم السادس عشر) وبالرغم من تجاوزنا أقطار الأرض نحو خارجها، فإن نزولنا وسط الكرة الأرضية مركز هذه الأقطار يبدو وكأنه أمر مستحيل. ويُظهرُ مناخُ مركز الأرض الشديد الحرارة وعجزُنا التقني أن تجاوز الأقطار صوب مركز الكرة الأرضية أمرا مستحيلا. ودون أن نقوم بأي تحليل بشأن ما يمكن أن تأتي به القرون القادمة في هذا الموضوع، نقول الله أعلم بالصواب.

وهنا نريد جذب الانتباه إلى نقطة أخرى: لقد بحث في العديد من الترجمات القرآنية عن محيط الأرض والسماء، ونواحي، وأطراف، وحدود كل منهما، وتخطيت كلمة” أقطار”، وأتي مكانها بكلمات مثل bucak/ ناحية، etraf/ أطراف، sınırlar/ حدود”. وفي واقع الأمر، إن حدود أقطار أي مجال تعطي محيط ذلك المجال، وحدوده، وأطرافه. ومن هذه الزاوية يتبين لماذا قام المترجمون بترجمة على هذا النحو. لقد تكونت تلك ترجمات على هذا النمط بسبب الترجمة غير المباشرة لكلمة” أقطاب”، و إضافة المترجمين أساليبهم الخاصة في الفهم إلى الترجمة. نرجو من مترجمينا تصويب هذه النقطة الواردة في التراجم القرآنية القديمة. وسوف يتسنى لجموع أوسع انتشارا أن تفهم هذه المعجزة القرآنية، لو أن ترجمة التزمت بنص القرآن التزاما تاما عند إعدادها،

Leave a Comment